ثانيًا: الأنبياء كلهم مبشرون بالجنة لكونهم مخلصين مختارين، والغصب عندهم ليس بنقيصة تقدح في عصمتهم، وسلامتهم، وكمال إيمانهم. ولكن ورد في كل الأحوال على سبيل ضرب الأمثال والتعريض بالأمم، وهم مختلفون عن السواد البشري، فهم جميعًا معفو عنهم، مغفور لهم، وما ورد عنهم من المواقف والأحوال إنما كان استقصاءً وسبرًا لأغوار النفس البشرية، مع إلهامهم المسارعة بالتوبة والإنابة، ورسم لهم سبحانه طريق الإعذار والإنذار وتدارك الأمر قبل فوات الأوان، وهذا مفاده تعليم المكلفين كيف يتصرفون... والأنبياء جميعًا قدوة حسنة، أعذارهم ممهودة وأخطاؤهم مغفورة، وطباعهم مرضية...
ثالثًا: كل كافر مغضوب عليه، وكل مغضوب عليه من الله تعالى هالك لا محالة، كذا كل مرضي عنه من الله ناج.
قال تعالى: ) قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) ( [سورة طه] (1) .
وقال: ) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) ( [سورة الأعراف] .(2)
)وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الألْوَاحَ (154 ) ( [سورة الأعراف ] .(3)
كان موسى عليه السلام على درجة رهيبة من الغضب والثورة لانحراف قومه عن عبادة الله تعالى وتوحيده، وقد ثارت ثائرته وهجم على أخيه هارون أخذًا بلحيته ورأسه في ثورة عارمة، ظانًا أنه قصر في زجر قومه وحاد عن طريق الحق بالسكوت عن ضلالهم (4)
)وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ (5) قوة عارضة وفحولة مدهشة حال اختلاجه وانفعاله الذي انفلت بسبب الغيرة الشديدة على دين الله ) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (6) توضح الآيات في أجلى وأبين بيان وأدق تصوير كل ملابسات وخصائص الغضب في الطبع الغضبي.
وهذه الخصيصة من هذا الطبع (furious temperment) ممدوحة عند موسى، لأن مردها ومرجعها إلى القوة في أمر الله والغيرة على دينه، وهذا موجب قوي يحفز إليها ويحض عليها.
لكن الطبع الغضبي بين السواد الأكبر من أفناء الناس طبع ممقوت لكثرة مثاليه وجم عوراته، وما انطوى عليه من نقائص تتمثل في القوة الشديدة والصرامة العنيفة، والعناد، والاندفاع، والحمق وعدم التروي، والتهور العشوائي غير المحسوب، محروم من الحلم والأناة والرفق.
والغضبي معنىٌّ بالرد الفوري سريع الاستجابة مهما كانت الآثار والتداعيات والمردودات.
إن عقل الغضبي فولازي صلب، لا يعرف المرونة، وإن كان لا يعدم المروءة، شديد الصلادة والتحجر. ولئن كان الطبع الغضبي مولعًا بالموضوعية، فهو منهوم بالفعل، يلتذ بتفعيل طموحاته، إلا أنه ضيق الأفق مع طيبة القلب ورهافة الشعور.
والغضبي يشبه العصبي في انفعالاته، لكن العصبي الطبع (temperment) (neurotic character) ، يتميز عادة بقعود الهمة، وضعف القدرة على تحقيق المرادات بالعمل الشاق، فهو يشعر بالوهن، ويستطيع التضحية بالعمل والفعل حتى لا يرهق بدنه.
وبينما نرى الغضبي مشهورًا بالحيوية والنشاط والهمة، نرى العصبي ملولًا ثرثارًا، وهو يفتقر إلى الموضوعية، كذوب، يهمل الأعمال والواجبات المفروضة عليه، وهو سهل الاقتناع، وسهل الاستسلام، والسيطرة عليه ممكنة ميسرة من أسهل الطرق.
ونرى من مشهد موسى أن قوته بلغت حدًا فائقًا، فهو في عنفوان غضبه ألقى الألواح، وفعل ما فعل بأخيه هارون، وفي لحظة خاطفة بعد أن استشفع أخوه بأمه وقدم أعذاره بأن القوم استضعفوه وكادوا يقتلونه تساير ( سكت ) الغضب عن موسى، وهدأت نفسه بعد أن قدر ظروف أخيه وأيقن من أعذاره، فأخذ الألواح...