فهرس الكتاب

الصفحة 11434 من 27345

الوسطية في القرآن الكريم (1/10)

د. علي محمد محمد الصلابي 11/5/1426

إن من نعم الله على هذه الأمة وتشريفه لها أن جعلها أمة وسطًا خيارًا عدولًا فقال:

(وكذلك جعلناكم أمة وسطًا) فهي خير الأمم التي أُخرجت للناس، وقد وصفها المولى -عز وجل- وشهد لها بذلك فقال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) .

ثم اصطفى الله سبحانه وتعالى لها رسولًا من خيارها وأوسطها نسبًا ومكانة فبعثه فيها نبيًا رسولًا (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) وأنزل عليها أشرف كتبه وجعله مهيمنًا على الكتب قبله شاملًا لخير ما جاءت به.

(وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه) . بهذا الرسول الكريم، وهذا القرآن الكريم، شرفت هذه الأمة وبمتابعتهما والاهتداء بهديهما، كانت خير الأمم وأوسطها وأعدلها، ثم كان أسعد هذه الأمة باتباعهما وأحرصهم على هديهما قولًا وعملًا واعتقادًا أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم تابعوهم، ثم التابعون لهم بإحسان من القرون الثلاثة المفضلة التي شهد لها النبي -صلى الله عليه وسلم- بالخيرية:"خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". فهؤلاء هم خيار هذه الأمة ثم يلحق بهم كل من كان على مثل ما كانوا عليه من الهدى والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- في كل زمان ومكان؛ فهؤلاء جميعًا خيار هذه الأمة وأوسطها وأعدلها فإنه بعد انتقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى جوار ربه، ومضى عصر الخلافة الراشدة بدأ في آخر عهد أمير المؤمنين على بن أبي طالب -رضى الله عنه- ظهور التفرق والاختلاف؛ فخرجت الخوارج ببدعها، وظهرت الشيعة بغلوها وفتنها، ثم توالى ظهور البدع، وتكوّنت الفرق، وتوارثت الاجيال الكثير من الانحرافات العقدية والسلوكية وغيرها، وابتعدت عن منهج الاعتدال والتوسط الذى رسمه القرآن الكريم ومارسه في الحياة سيد المرسلين. إن المتدبر في الواقع الذى تعيشه الأمة اليوم يرى فرقًا شاسعًا في أهدافها واختلافًا في منطلقاتها وغاياتها وفى مشاربها, يرى الإفراط والتفريط والغلوّ والجفاء والإسراف والتغيّر في عموم الامة، فإذا انتقلنا إلى حال الدعاة والمصلحين الذين أقضّ مضاجعهم هذا الواقع المؤلم لأمتهم فإنهم شرعوا في البحث عن طريق العلاج ومعرفة أسباب النجاة، والتمسك بها لإخراج البشرية من الظلمات الى النور، ومن الضلالة إلى الهدى، نجد تأثير واقع الأمة على وضعهم، فمنهم المشرق، ومنهم المغرب، ترى المفرّط والمُفْرط، نرى بين هؤلاء الدعاة من غالى وأفرط في الغلوّ وعادت أفكار الخوارج القديمة، وهناك من فرط وجفا، وأضاع معالم الدين وأصول العقيدة، حرصًا على جمع الناس دون تزكيتهم وتعليمهم الكتاب والسنة، فضاعت معالم التوحيد وحقيقة العبادة، وبين هؤلاء وأولئك وقفت فئة تقتفي الأثر وتصحّح المنهج وتقود الناس إلى الصّراط المستقيم على منهج أهل السنة والجماعة وسلف الأمة ينفون عن هذا الدين غلوّ الغالين، وانتحال المبطلين، وتفريط الكسالى والمرجئين، ودعاوى المرجفين الزائفين، ووسط هذا الواقع المؤلم والاضطراب المهلك تشتد الحاجة إلى إرشاد الأمة إلى الصراط المستقيم والمنهج الوسط القويم لإنقاذها من كبوتها، وإنقاذها من رقدتها، وتذكير الدعاة والمصلحين بالمنهج الحق، والطريق البيّن الواضح (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه) إن الأمة بأمسّ الحاجة إلى منهج الوسطية منقذًا لها من هذا الانحراف الذى جلب عليها الرزايا والمصائب والنكبات، ولقد وجدت أن القرآن الكريم، قد رسم لنا هذا المنهج في جميع جوانبه أصولًا وفروعًا وعقيدة وعبادة وخلقًا وسلوكًا وتصورًا وعملًا.

ولقد جاء منهج الوسطية من خلال القرآن الكريم في أساليب عدة تصريحًا وإيماء، مفصلًا ومجملًا ، خبرًا وإنشاء وأمرًا ونهيًا.

فبيّن القرآن الكريم أن للوسطية أسسًا لا بد للداعية من معرفتها فمنها، الغلوّ والافراط، والجفاء أو التفريط، والصراط المستقيم.

فإن من أراد أن يعرف الوسطيّة على الوجه الدقيق فلابد له من استيعاب الأسس التي ذكرناها فالصراط المستقيم، وهو وسط بين الغلو والجفاء أو الإفراط والتفريط، كما يمثل الخيرية ويحقق معناها، وبذلك يتحقق في الصراط المستقيم أمران من لوازم الوسطية وهما: الخيرية والبينية, كما بيّن القرآن الكريم أن للوسطية ملامح وسمات تحف بها، وتميّزها عن غيرها، بمجموع تلك الملامح لا بإفرادها، وقد طالعت ما ورد في وسطية هذه الأمة بين الأمم، وكذلك ماكتبه بعض الذين بحثوا في الوسطية، ومن خلال استقراء القرآن الكريم فتوصلت إلى تحديد سمات و ملامح للوسطية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت