فهرس الكتاب

الصفحة 19971 من 27345

كنت أمس عند الأستاذ الزيات فدخل علينا شاب في نحو الثامنة عشرة عراقي، فسلم وقعد صامتًا لا ينبس، وجعل ينظر إليّ كأن في فيه كلامًا يريد أن يقوله، ولكنه لا يحب أن يظهرني عليه، فهو يتبرّم بمجلسي، ويرقب قيامي، فلما طال منه ذلك، قال له الأستاذ:"تفضل!". فقال مترددًا:"كنت أريد أن أقص عليكم قصتي... علّها... تكتب في الرسالة... ولكن... سأجيء في وقت آخر". وألقى عليّ نظرة لا أقول من نار، ولكن من حروف وكلمات تقول:"لولا هذا الرجل!".

فقال الأستاذ معرّفًا بي:"إنه فلان، وهو من أسرة الرسالة فقصّ القصة أمامه، لعله إذا سمعها منك كتبها هو". فلما عرفني أشرق وجهه واطمأن وانطلق يقول:

وصلت مصر للدراسة في مدارسها في أكتوبر الماضي وكانت تلك أول مرة أقدم فيها القاهرة، وأرى فيها الدنيا، أمضيت عمري قبلها في قرية لا تعرف إلا الجد، ولا تقبل غير الحرث والدرس، ما فيها إلا الحلقة والحقل، ما فيها سينما ولا ملهى، ولا تلقى في طرقها امرأة سافرة، ولا تصادف في حقولها فتاة، لم أخرج منها إلا مرة واحدة وأنا صغير زرت فيها النجف مع لِدَات لي فرأيتها مدينة عظيمة فيها كل ما يبهج ويهيج، وسعدت فيها أيامًا، ثم عدنا إلى القرية، وإلى حلقة الشيخ، فقرأنا عليه كتب الدين والنحو والصرف والبلاغة، ثم أقبلنا على الأدب، نعبّ الشعر الغزل، كما يعبّ من النبع العذب الصافي الظمآن، ونحفظه في صورنا كما يحفظ الشحيح الموسر ماله في صندوقه، فيكون لقلوبنا الفتية المشتعلة بالعاطفة حطبًا يابسًا يزيدها اشتعالًا، ولكنه يكون لقرائحنا مددًا، ولألسنتنا ثقافًا، ولنفوسنا صقالًا، وكانت لنا صبوات يحركها سواد المرأة وهي تخطر في سوق القرية بعباءتها السوداء السابغة، وظلها من خلف زجاج النافذة، وصوتها من وراء الباب، لا نرى منها أكثر من ذلك، فكان يثير سواكن هذه القلوب التي ما عرفت طريق الإثم... وإن لم تخل القرية من آثمين (من الشباب) ومن آثمات.

قلت: فما فائدة الحجاب.

قال: إن الخير المطلق ليس من طبيعة هذه الدنيا، والعبرة بالغالب، فالحجاب خير فيه شر قليل، ولكن السفور شر قد يكون في خير قليل، وما الإثم في العاطفة يفيض بها القلوب، أو الشهوة تضطرم بنارها الأعصاب، ولكن الإثم في عمل الجوارح.

وعاد إلى قصته، فقال:

وكنت قد سمعت عن القاهرة أنها، لا تؤاخذوني، أنها كباريس، بلد لذة وانطلاق، وأنها عالم فيه من كل شيء، فيه العلم والجهل، والغنى والفقر، والتقى والفجور، والعفاف والفسوق، يصنع كل فيها ما يريد، لا يسأل أحد أحدًا ماذا يصنع؟ ولا يقول له: دع ذا، فإنه حرام. وكفّ عن ذا فإنه عيب، وإن… إني لأستحي والله أن أتكلم.

قلنا له: قل يا أخي، إنك تقول الصدق ابتغاء الإصلاح، ولا حياء في الإصلاح.

فتردد قليلا، وغض بصره، ثم قال:

وأن النساء في مصر، أستغفر الله، ما هذا أعني، أعني أن في مصر نساء كثيرات... الحاصل أن الصورة التي كانت لمصر في مخايلنا لم تكن صورة الأزهر بحلقاته، ولا الجامعة بأبهائها، ولا الجمعيات الإسلامية، ولا النوادي الأدبية، كلا. بل صورة (البلاج) ومشاهده. والسفور والاختلاط، وأن الصوت الذي يصل إلى قريتنا عاليًا ليس صوت الرسالة والثقافة والكتاب، فإنه صوت خافت فينا، ولكن صوت الإثنين وأخبار المسامرات، منها تكوّنت للقاهرة هذه الصورة، فتخيلناها فتاة عابثة مستهترة، لا شيخًا وقورًا صالحًا.

وأنا أقول لكم الحق، فأرجو أن يتسع لسماعه صدركم، ولا يضيق به حلمكم.

ولما تقرر سفري إلى مصر، أرقت ليالي بطولها، لا أستطيع الرقاد من فرط الانفعال، ثم سافرت وكلما نقصت من الطريق مرحلة زاد شوقي مراحل، وكلما اقتربت منها ابتعدت عن الصبر، ولست أطيل عليكم، فقد دخلتها ليلًا، فنزلت في فندق في العتبة الخضراء بلديّ، كانوا دلوني عليه قبل أن أسافر، اسمه (فندق البرلمان) ، فنمت نومًا متقطعًا تتخلله ثائرات الأحلام، يؤرقني ما أرقب من لذائذ هذه الجنة التي دخلتها بعد طول تشوقي إليها فأنهض ساعة، ثم يسحقني السهر والسفر فأهجع أخرى، حتى طلع الصباح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت