فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ونزلت الساعة العاشرة، فمشيت خطوات، فوجدت في وجهي حديقة الأزبكية، وكنت قد قرأت في (النظرات) للمنفلوطي رحمه الله، أن الأزبكية، ولا مؤاخذة، هي المكان الذي تميل إليه نفس كل شاب، لأنه أوسخ معابد الشيطان، السوق الذي تباع فيه اللذائذ، فاقتربت منها وقلبي يرجِفُ كأني مقبل على جريمة قتل، وهل الزنا إلا أخو القتل؟ وتمثّل لي ماضيّ وأخلاقي، وطلعة الشيخ، فارتددت وتلفت أنظر هل رآني من أحد -لا تضحكوا أرجوكم فإني أصف لكم ما وقع لي، ومرّ رجال، خيل إليّ أن واحدًا منهم يحدّق فيّ، ويحدّ النظر إليّ ويتبسّم فشعرت أن دمي كله قد صعد إلى رأسي، وأن أذنيّ قد صارتا جمرتين ملتهبتين، وتصبب العرق من جبيني، لما وقع في نفسي من أن الرجل يعرفني، ويعلم ما أسعى إليه، فأسرعت في مشيتي حتى بهت الناس إليّ بإسراعي، فجعلوا ينظرون إليّ متعجبين من عجلتي، وكلما رأيت ذلك منهم ازددت عجلة، كأني الجواد الأصيل يقرع بالمقاريع ليقف، وكلما أحسّ وقعها طار طريًا، حتى إذا ابتعدت وقفت، ووجدت راحة الخلاص من الإثم، كما يجد الغريق راحة الوصول إلى الهواء، ومشيت لا أعرف لي وجهة، فعاد الشيطان يوسوس إليّ، فثارت الرغبة في نفسي كرة أخرى، وندمت على أن أضعت هذه الفرصة التي انتظرتها دهرًا مديدًا، وفكرت فيها مسهدًا ليالي طوالًا، وقطعت من أجلها قفرًا وقطعت بحرًا، ومشيت من مشرق الشمس إلى مغربها، فعدت وجعلت أدور حول سور الحديقة، وقلبي يكاد يمزّق بوجيبه جدار صدري، وكان اليوم يوم أحد، فرأيت غوانيها من خلال السور قاعدات باديات المفاتن أو مضطجعات أو منبطحات على الكلأ ساحرات بالمقل النواعس، وبالسوق والأفخاذ، فكدت أجنّ، ولا تنسوا أني لا أزال أعتقد أن الحديقة هي (أزبكية المنفلوطي) .
وشددنا أشداقنا كيلا يفلت الضحك منا، ومضى في قصته.
قال: ورأيت على مقعد شابًا وفتاة، وهما يتناجيان، وعلى وجهيهما من ظلال الحديث، مثل ما يكون على وجه البحيرة الساكنة من شعاع القمر، وقد تدانى الرأسان، والتفّت الأيادي بالمناكب، وتعارضت الساقان، وأحاطهما بجناحيه إبليس الهوى، فجن جنوني، ودفعتني موجة الانفعال التي ماجت في نفسي، فأقدمت حتى إذا ضعفت الموجة وماتت، كما تموت أمواج البحر وسط اللجّة، ألفيتني عند الباب، فوقفت لا أدري ماذا أعمل، كأني قد أقمت على عمود في رحبة القرية والناس كلهم ينظرون إليّ يقولون: هذا الذي دخل الأزبكية التي لم يعرف (المنفلوطي) من تحديدها إلا أنها فوق الغبراء وتحت السماء، وتمنيت من الخجل أن أغوص في الأرض وأحسست أن الدنيا تدور من حولي، ولم ينقذني إلا رجل دخل فتوسط الباب الدوار، فدفع (قرش تعريفة) فأداره له البواب حتى صار في الحديقة، فصنعت صنيعه وأنا لا أعقل ما أصنع.
جُلْت في الحديقة فوجدت نساء من كل لون وجنس، ولكني كنت كمن ألقي في الماء قبل أن يتعلم السباحة، فلم أدر كيف السبيل إليهن، وحاولت أن أتذكر ما قرأت في القصص وماذا يعمل أبطالها في مثل هذا الموقف، وما حفظت من أشعار الغزل، فلم يخطر على بالي إلا أبيات (سألت الله أن يجمعني بسلمى) فقد كانت حالي كحال هذا الشاعر، أرقب أن تجيء إحداهن فتأخذني هي بيدي وتجرّني إليها، ولكني لم أر غرفًا ولا مخادع، ثم وجدت بناءً في الحديقة فعلمت أن المخادع والغرفات فيه، وبقيت إلى المساء، أدور لا أفكر في طعام، ولا أشكو التعب، حتى إذا قيل اخرجوا ستغلق الحديقة، خرجت وما أظن أن على ظهر الأرض إنسانًا أخيب مني.
وجعلت أعود إليها كل يوم، فلما كان بعد ثلاثة أيام، وكنت قاعدًا على مقعد وأمامي امرأة قصيرة الثوب، عارية الساق قد رفعت رجلًا على رجل، فأبدت ما أحسست به كالبارود في أعصابي، وجعلت أنظر إليها، علّها تلقي بصرها عليّ، فأغمزها بعيني -وقد فكرت في ذلك الليلة البارحة كلها، ورأيته هو الطريق إليها، بعد ما أعياني الوصول، وجربته أمام المرآة حتى حَسِبْتُني أتقنته- والتفتت إليّ فغمزت بعيني، فإذا بها تشمخ بأنفها، وتقوم فتمضي وعلى وجهها مثل أمارات الاشمئزاز... وسمعت ضحكًا من ورائي فتلفت مذعورًا، فإذا أنا بشاب على رأسه كمّة بيضاء يلبس (قفطانًا) يبدو عليه أنه فلاح، تلوح عليه سيمياء الفقر، ورأى ذعري فقال:"ازّيك". قلت:"كلّش زين"ففهم أني غريب، وأني عراقي، فقال:"عجبتك؟"فاستحييت أن أجيب. فقال الخبيث:"ليه؟ انت مكسوف؟ ما تتكسفشي! تعال أودّيك لواحدة أحلى منها".