فهرس الكتاب

الصفحة 19973 من 27345

إنكم لا تستطيعون أن تتصوروا ماذا صنعت بي هذه الكلمة وأنا الذي عاش عمره يشتهي أن يشم ريح امرأة من مسافة فرسخ وتشجعت فقلت له بصوت مخنوق:"شْلونْ؟". قال:"شلون يعني إيه؟ تعال معايا. تعال"وأخذ بيدي وأخرجني من الحديقة، وقال:"تحب ناخد تاكسي ولا نركب الترام؟"وكنت نافذ الصبر، مجنون الرغبة، فقلت:"تاكسي". ولو كانت طيّارة لركبت إلى ما يأخذني إليه طيارة. ولم أسأله إلى أين، حتى نزلنا من السيارة، فسألت السائق:"كم تريد"؟ قال:"ثلاثين قرشًا"فارتعدت لحظة ولكني لم أبال، ونقدته الأجرة ونظرت فإذا الذي بقي في جيبي اثنان وعشرون قرشًا، وسائر فلوسي عند الفندقي. نفقة الشهر كلها خمسة عشر جنيهًا.

قال الشاب:"ايدك على جنيه بأه". قلت:"جنيه؟"قال:"أمّال؟ دي بنت تمانطاشر، زيّ الأمَر". فنظرت هنا وهناك أبغي مهربًا ولا أعرف الطريق. فقال:"ما لكشي مزاج ولا إيه؟". فقلت:"في وقت ثاني". قال الخبيث:"على خاطرك. هات تعبتي بأه!"فأعطيته خمسة قروش، ولم يحب أن يفلتني قبل أن ينتف ريشي فعاد يحدثني حديث الرجس، وقال لي إن عنده بنات أخر، ولكن لكل ثمن، فبنت مصرية سمراء كأن عينيها عينا غزال شارد، وبنت شامية من صفتها كذا، وبنت عراقية من بلادنا من نعتها كذا، وبنت رومية كأن جسمها العاج المشرب بعصير الورد، وكأن شعرها أسلاك الذهب، تسقي من فمها خمرًا، ومن مقلتها سحرًا ورآني أرتجف من الانفعال، ورأى وجهي شاحبًا فقال: هي بنت بيت"مش من دول"لا تأخذ فلوسًا، لأن أباها من كبار أصحاب المصارف، ولكن للبواب جنيهان ليغضّ النظر، وله هو جنيه، واثنان لوصيفتها لتكتم الأمر وتحفظ الباب.

وسحرني الملعون. فقلت:"لا بد لي من الذهاب إلى الفندق لآتي بالفلوس"قال:"هيا بنا".

وتسلم الجنيهات الخمسة، وأدخلني عمارة فخمة في شارع الملكة نازلي، فأصعدني إلى الطبقة السابعة، وأشار إلى باب فقال: إنها هنا ولكنه لا يستطيع أن يدخل معي، فهو ينتظرني عند البواب، ونزل بـ"المصعد"الذي صعدنا به، وأقدمت مضطربًا فقرعت الباب بيد ترتجف، ففتحه لي خادم أسود مسن، ووقف ينظر ما أقول له، ووقفت مبهوتًا فقال:"ايه؟ عاوز مين؟"فسكتّ. قال:"الله! انت عاوز مين؟"قلت:"سنيّة"، وكان هذا هو الاسم الذي خطر على لساني. قال:"سنيّة؟! دي شركة"وأغلق الباب في وجهي، ولم أجد المصعد فنزلت على الدرج، من الطبقة السابعة، فلما بلغت الباب لم أجد الشاب ولا البواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت