قضايا حديثية
فضيلة الشيخ/خليل بن محمد العربي 27/8/1423
لا يخفى عليكم مدى أهمية إثبات نسبة كل كتاب لمصنفه حتى لا يتم عزو قول ما إلى غير قائله ، أو نسبة وهم لغير صاحبه ، أو معرفة منهج صاحب هذا المصنف من خلال دراسة مصنفه ... إلى آخره .
ومما استرعى انتباهي"مسند"الإمام أبي داود الطيالسي - رحمه الله تعالى - حيث اختلفت آراء العلماء فيمن صنفه - فيما وقفت عليه - على أربعة أقوال:
القول الأول: أنه من تصنيف يونس بن حبيب .
القول الثاني: أنه من تصنيف أبي داود الطيالسي نفسه .
القول الثالث: أنه من تصنيف أبي مسعود أحمد بن الفرات الرازي .
القول الرابع: أنه من جمع بعض المتأخرين من حفاظ خراسان .
وسنذكر - بحول الله وقوته - بيان كل قول على حدة ، مع ذكر القائلين به ، مشفوعًا بأدلته ، مع ذكر الراجح منه:
القول الأول: أنه من تصنيف يونس بن حبيب:
وممن قال بذلك:
1-ابن أبي حاتم الرازي: صرح بذلك في موضعين من تصانيفه وهما:
أ - الجرح والتعديل ( 5/273رقم 1293) ، فقد قال - رحمه الله تعالى - لما ترجم لعبد الرحمن بن علقمة الثقفي:"أدخله يونس بن حبيب في كتاب (وفي نسخة من الجرح: مسند ، وكذا جاء في الإصابة 4/173 ) الوحدان ، فأخبرت أبي بذلك فقال: هو تابعي ، ليست له صحبة".
فهذا تصريح بيِّن من ابن أبي حاتم بأن يونس بن حبيب هو الذي أنشأ"مسند"الطيالسي ، وجعله على مسانيد الصحابة - رضي الله عنهم - بدليل أنه هو الذي أدخل عبد الرحمن الثقفي في مسانيد الصحابة من الوحدان - يعني ممن لم يرو إلا حديثًا واحدًا - .
وإن قال قائل: بأن هذا القول يُعد أيضًا من قول أبي حاتم الرازي نفسه لإقراره لابنه على ذلك لما أبعد .
تنبيه: جاء في ترجمة عبد الرحمن بن علقمة الثقفي المشار إليه آنفًا وإسناد حديثه من"مسند"الطيالسي (ص190رقم336) محرفًا ، وقد جاء على الصواب عند النسائي في الصغرى (6/279) فليصحح .
ب- كتاب"علل الحديث" (2/288رقم 369) ، فقد قال - رحمه الله تعالى - لما ذكر حديثًا رواه أبو داود الطيالسي من طريق أبي أيوب الأزدي:"ولم يفهم يونس بن حبيب أن أبا أيوب الأزدي هو العتكي ، فأدخله في مسند أبي أيوب الأنصاري".
قلت: وهذه الرواية في"مسند"الطيالسي (ص 81 رقم 596) .
وفي هذين القولين من ابن أبي حاتم دليل واضح على أن"مسند"الطيالسي هو من تصنيف يونس ابن حبيب .
وحسبك بذلك حجة من ابن أبي حاتم ، فهو من أعلم الناس بيونس بن حبيب ، وأكثر الناس رواية عنه .
2-ابن حبان البستي:
فقد ذكر يونس بن حبيب في:"الثقات" (9/291) وقال:"صاحب مسند أبي داود الطيالسي".
وكلمة"صاحب"هذه لا تقال إلا على من صنف الكتاب لا من رواه عن مصنفه .
ولو أن ابن حبان يرى أن هذا"المسند"هو من تصنيف أبي داود الطيالسي لقال في يونس بن حبيب"راوي مسند أبي داود الطيالسي"وهذا أمر معلوم .
3-شمس الدين الذهبي:
قال - رحمه الله تعالى- في السير (9/382) في ترجمة أبي داود الطيالسي ."سمع يونس بن حبيب عدة مجالس مفرقة ، فهي المسند الذي وقع لنا".
ويعني الذهبي بذلك: أن ما وصل إلينا من"مسند"الطيالسي هي عدة مجالس أملاها أبو داود ، فجمعها يونس بن حبيب ، جعلها على ترتيب"المسند".
قلت: وثمة دليل آخر - قطعي - يثبت أن"المسند"هو من تصنيف يونس بن حبيب:
وهو ما جاء في المسند (ص 174 رقم 1238) :"... حدثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن أحمد ابن فارس ، حدثنا يونس بن حبيب قال: أحاديث حارثة بن وهب - رضي الله عنه - حدثنا أبو داود الطيالسي ...".
وكذلك في (ص 346 رقم 2650) :" حدثنا أبو بشر يونس بن حبيب قال أبو العالية الريحاني عن ابن عباس - رضي الله عنهم - حدثنا أبو داود ...".
ففي هذين الموضعين ترى أن يونس بن حبيب هو الذي صرح بأسماء الصحابة الذين سيورد لهم أحاديثهم فيما رواه عن شيخه أبي داود الطيالسي .
ولو أن أبا داود الطيالسي هو الذي صنف"المسند"لنسبت هاتان العبارتان له .
وفي كل ما أوردناه من أدلة تثبت لنا أن هذا"المسند"هو من تصنيف يونس بن حبيب - رحمه الله تعالى -.
القول الثاني: أنه من تصنيف أبي داود الطيالسي:
وممن قال بذلك:
1-الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك: فقد قال - كما في المدخل ص 30-:"أبو داود الطيالسي هو أول من صنف المسند على تراجم الرجال في الإسلام".
2-أبو يعلى الخليلي: قال - كما في الإرشاد 2/512-:"أول من صنف المسند على ترتيب الصحابة بالبصرة: أبو داود الطيالسي".
3-ابن خير الأشبيلي: قال في فهرسته (141) :"مسند أبي داود الطيالسي وهو أول مسند صنف في الإسلام".
4-القرطبي: قال في تفسيره (1/9) :"مسند أبي داود الطيالسي هو أول مسند صنف في الإسلام".
5-الحافظ العراقي: قال في فتح المغيث (1/50) :"مسند أبي داود الطيالسي، ويقال إنه أول مسند صنف".