فهرس الكتاب

الصفحة 12734 من 27345

تتمة سورة المزمل

الحلقة (13) 13 من شوال 1395هـ -17 تشرين الأول 1975م

العلامة محمود مشّوح

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد أيها الإخوة المؤمنون فلقد طالت رحلتنا مع أوائل سورة المزمل، وعمدًا أطلت الشوط فقد ينبغي أن يكون أكثر تدقيقًا، وأعمق تأملًا ونحن بصدد التعرف على الخطوات الأولى من مسيرة الدعوة الإسلامية، ولقد كنت قادرًا على أن أجتاز هذه الرحلة بحديث واحد. ولكن قدرت -ومن واقع التجربة- قدرت أن كثيرًا من الخلل والارتباك في مسيرة الدعوة الإسلامية المعاصرة يرد إلى عدم إتقان الخطوات الأولى وإيلائها ما ينبغي لها من عناية واهتمام سواء كان ذلك بالكشف عنها أو بوضعها موضع التطبيق.

كنا في الأسبوع الفائت نتحدث إليكم عن بعض ما يوحيه قول الله تبارك وتعالى خطابًا لنبيه عليه الصلاة والسلام:

)إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا إن ناشئة الليل هي أشد وطئًا وأقوم قيلًا واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلًا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلًا(.

وما بالنية أن أزيد على الذي قلت شيئًا وإنما نمر مع الآيات.

يقول الله تعالى بَعْدُ؛ خطابًا لنبيه عليه الصلاة والسلام:

)واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرًا جميلًا وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلًا إن لدينا أنكالًا وجحيمًا وطعامًا ذا غصة وعذابًا أليمًا يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبًا مهيلًا إن أرسلنا إليكم رسولًا شاهدًا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذًا وبيلًا فكيف تتقون إن كفرتم يوم يجعل الولدان شيبًا السماء منفطر به كان وعده مفعولًا إن هذه تذكر فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلًا(.

ذرونا ننظر بما ينبغي من الأناة في هؤلاء الآيات؛ يقول الله تعالى موجهًا رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الطريقة المثلى التي يجب أن يعامل بها المخالفين:

)واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرًا جميلًا(.

والصبر على ما يقول المخالفون واجب لظاهرة يعرفها الخاص والعام؛ وهي أنك في كل الأحوال لا تستطيع أن تضع قفلًا على أفواه الناس، فالناس إذا لم يكن لهم عاصم من التقوى فهم يتكلمون بما شاؤوا بالحق والباطل هذا شأن، وشأن آخر يتعلق بالنبي والمؤمنين وبالدعاة عمومًا إن كلام المخالفين يجب أن لا يشكل عقبة تحول دون اطراد السير؛ فالصبر عليه هنا واجب إن لم يكن واجبًا في شريعة الأخلاق فهو واجب وفقًا لقوانين الحركة والسير. والله جل وعلا في مواطن عدة من كتابه المُنْزَلِ على نبيه صلى الله عليه وآله ينبه إلى ما سيكون من تفنيد وتكذيب وأذىً في مواجهة الدعوة يقول الله تعالى:

)لتبلوُنَّ في أموالكم وأنفسكم ولتسمعُنَّ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم أذى كثيرًا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور(.

أي إن عزائم الرجال ينبغي أن لا تحول دون مضيها، أقَاويلُ المخالفين، فالمخالف من شأنه أن يتحدث كيف شاء وفي الوقت الذي يشاء دعه فالكلام لا يزال يشكل تشميتًا ويشكل أذى هذا أمر واقع من الممكن أن يستمر هذا التشميت وقتًا طويلًا لأنه ليس من شأن بسطاء الناس وعامة الناس أن تعرض كل ما تسمع على قضية العقل فهي تأخذ غالبًا بهذا الذي تسمع بقطع النظر عن إمكان معقوليته.

وعدم إمكانيتها وبقطع النظر عن نوعية القائل أهو إنسان يوثق بما يقول أو هو إنسان لا يبالي بما يقول بل يلقي الكلام على عواهنه وكيفما اتفق من هنا لا يجوز أن نُهَوِّنَ من قيمة الشائعات ولكن عدم التهوين من هذه القيمة ليس بالتقوقع وليس بإيلاء هذا الأمر أكثر مما يستحق كيف الزيف يتحقق بمجرد عرض الحقيقة حينما تعرض الحقيقة عارية من أي لبوس فإن الزيف يبدو هناك زيفًا لا يقوم على ساق صحيحة ولا على ساق عرجاء فالواجب إذًا هذا الاستمرار والسير أبدًا مع الصبر على ما يقول المخالفون، (واصبر على ما يقولون) ثم ليس فقط (واصبر على ما يقولون) دائمًا بل.. (واهجرهم هجرًا جميلًا) هذه النقطة يجب أن ننتبه لها ماذا تعني:

الهجر في لغة العرب هو الترك هذا شيء يعرفه الخاص والعام؛ والجميل هو الأنيق المحب، غير المؤذي، الأنيق المحب غير المؤذي؛ واضح أن الجملة (واهجرهم هجرًا جميلًا) حوت معنيين يكادان في الظاهر أن يتناصرا وأن يتدافعا فكيف يكون الترك جميلًا ومحببًا إلى الأنفس وغير مؤذ؟ كيف يكون.. هنا موضع الإعجاز في الأداء الرباني في الكلام الإلهي بهذا اللفظ الوجيز أوجز الله جل وعلا أرفع نماذج السلوك التي تحقق الانسجام والتأثير مع المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان، في الوقت الذي تستند فيه قضية الحقيقة دون أن تتلوث بأوشاب هذا المجتمع. كيف، الغفلة عن هذه المسألة سبب أحد أمرين في واقع السلوك الإسلامي:

الأمر الأول: هم الذين أخذوا الهجر بمعناه العام والأولى والبسيط وعندهم أنه لمجرد أن تسلم لله وجهك وتسير معه في الطريق الذي اختطه لك فعليك أن تقطع العلائق بينك وبين الآخرين ضربة لازب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت