فهرس الكتاب

الصفحة 12735 من 27345

والأمر الثاني الذي تبلور في السلوك: الغفلة عن كل شيء والاندماج المطلق في المجتمع وقبوله على ما فيه من خير ومن شر وكلا السلوكين خطأ، الهجر الجميل يعني أن لا تلابس من حولك في ما يغضب الله تبارك وتعالى، وأن لا تعين من حولك على ما يغضب الله تبارك وتعالى وأن لا تساعد هذا المجتمع في شيء يتنافى مع أهدافك ومع قضايا دعوتك التي تحملها، ولكن مع الحفاظ على الرابطة الإنسانية التي تشد الناس جميعًا بعضهم إلى بعض مسلمهم وكافرهم على سواء لأية غاية؟ هل إلى غاية المداراة والمجاملة والمصانعة؟ لا.. سلوك المسلم أبعد ما يمكن عن هذه الرجرجة الموقوتة ولكن لإبقاء النافذة الوحيدة التي يمكن أن تنفذ منها إلى قلوب الناس وإلى عقول الناس وإلى مشاعر الناس أي الإبقاء على الوسيلة التي لا غيرها والتي يمكن أن تكون في مجتمعك بواسطتها عنصرًا فعالًا ومؤثرًا.

الهجر الجميل هو أن لا تعين غيرك ممن يخالفك في الاتجاه والمعتقد في شيء مما يغضب الله ولكن مع الإبقاء على علائق المودة وعلائق المحبة وعلائق التضامن القائم بين أعضاء المجتمع أن لا تلقى الناس بهذه النفسية المظلمة العابسة ولا تلقاهم بهذا القلب الأسود الذي يتنزَّى حقدًا ويأكله هذا الحقد من جميع جوانبه بل تتقدم لإصلاح هذا المجتمع بالقلب المغمور بالمودة والمحبة والرغبة في إيصال الخير إلى الناس وتحفظ كل العلائق التي يمكن حفظها دون مساس بجوهر رسالتك وأسس عقيدتك أن تكون مسلمًا هذا لا يعني بتاتًا أن تكون سيئ الطبع شرس الخلق هذا شيء وذاك شيء آخر وهجرك للمخالفين مع إبدائهم للتسويف المستمر وأخذهم بهذا النهج غير الأخلاقي لا يعني كذلك تقطيع العلائق بينك وبينهم.

أرأيتم كيف كان سلوك النبي صلى الله عليه وسلم مع المخالفين؟ جهر بالدعوة دون مداورة ودون لجلجة ودون خوف وعلنًا وتحت وهج الشمس وإبقاء على كل العلاقات التي يمكن أن تبقى كان يغشى مجالس الناس، وكان يزور الناس، وكان يلقاهم بالبشر، وكان يلقاهم بالمودة، ذات يوم مر النبي صلى الله عليه وسلم طائفًا بالكعبة وهذا في أوليات الدعوة فلما مر تغامز القوم وسخروا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسمعوه قارص القول فأعرض فطاف فسمع مثل ذلك عددًا من المرات ثم التفت إليهم وقال:

"يا معشر قريش تسمعون والله لقد جئتك بالذبح"

وأشار إلى حلقه فكان أشد الناس عداوة له صلى الله عليه وسلم، يحاول أن يرفأه بأحسن ما يجد من القول، قاموا إليه يهدئونه ويقولون له:

"يا محمد والله ما كنتَ جهولًا".

كلمة واحدة: (لقد جئتكم بالذبح) ذلك أقصى ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم فكانت غريبة غريبة هذه اللفظة القاسية من إنسان عُرف كُلَّ حياته بأنه على غاية ما يمكن أن يكون الإنسان من السماحة والطيب والتهيين فالنبي عليه الصلاة والسلام عنوان الهاجرين للمجتمع ولكن بالهجر الجميل والهجر الجميل هو أن تبدي ما عندك وأن تدعو إلى هذا الشيء الذي أنت مكلف بالدعوة إليه دون تحطيم كل علاقة بينك وبين الناس.

انظر إليها في ضوء القانون الأخلاقي تجد أن العنف والشراسة وبذاءة القول وسوء الطوية شيء يتنافى مع أوليات القانون الأخلاقي، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول لعائشة رضي الله عنها إثر كلام سمعته من بعض الناس.. يقول لها:

"يا عائشة لو كان العنف رجلًا لكان رجل سوء".

فالنبي عليه الصلاة والسلام ما خُيرَ بين أمرين، وما وقف في مفترق طريقين إلا اختار أيسرهما وأرفقهما ما لم يكن فيه إثم أو مغضبة لله تبارك وتعالى فإن يكن ذلك كان أبعد الناس منه.

هذا هو معنى الهجر الجميل أن لا تلابس المبطلين في باطلهم ولكن هذا لا يمنع من أن يبقى بينك وبينهم حبل الود موصولًا فلو أنك وضعت الأمر تحت قانون الحركة والسير لوجدت أن العنف والعنفوان يعطلان الحركة ويقضيان على السير من أول الطريق فالرجل الذي تلقاه وأنت غاضب وأنت مشمئز، وأنت تحمل له في صدرك الضغينة التي لا تنتهي لا يمكن أن تتفتح لك مغاليق قلبه بحال من الأحوال، فحين نسمع الله جل علا يوجه نبيه صلى الله عليه وسلم هذا التوجيه الحكيم:

)واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرًا جميلًا(.

نلحظ أمرين:

نلحظ أن الله جل وعلا يقيم نبيه عليه الصلاة والسلام والمؤمنين معه على القاعدة الأخلاقية المثلى ويوجههم نحو الطريق التي تضمن انفتاح الأسماع والأبصار والعقول والقلوب لهذه الدعوة فهي توجيه حكيم (واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرًا جميلًا) لكن الكلام هنا في عمومه يبقى ناقصًا إن نحن حذفنا النظر فيما يأتي من الآية الأخرى يقول: (وذرني والمكذِّبين أولي النعمة ومهلهم قليلًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت