فهرس الكتاب

الصفحة 19299 من 27345

إبراهيم بن محمد الحقيل

من آيات الله البينات على عظيم قدرته ، وحسن إبداعه ، وإتقان خلقه ، اختلاف البشر في أشكالهم ، وألوانهم ولغاتهم ، فرغم أن أصلهم واحد ، فأبوهم آدم وأمهم حواء إلا أنهم انقسموا إلى أجناس وقبائل وألسن وألوان مختلفة لا يعلم عددها إلا الله تعالى ، كما قال سبحانه وتعالى: ] وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ[ ( الروم: 22 ) .

إن اختلاف لغات البشر آية عظيمة ، فهم مع اتحادهم في النوع كان اختلاف لغاتهم آية دالة على ما كَوَّنَه الله تعالى في غريزة البشر من اختلاف التفكير ، وتنويع التصرف في وضع اللغات ، وتبدل كيفياتها باللهجات والتخفيف ، والحذف، والزيادة ، بحيث تتغير الأصول المتحدة إلى لغات كثيرة [1] .

وامتن الله تعالى على الإنسان بأن خلقه ، ثم أتبع ذلك بذكر نعمة قدرته على التعبير عما في نفسه إما بالنطق وهو أكمل ، وإما بالإشارة إذا عجز عن النطق ، وذلك في قوله تعالى: ] الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ القُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ[

( الرحمن: 1-4 ) ، فقدَّم جل ثناؤه ذكر البيان على جميع ما توحَّد بخلقه ، وتفرَّد بإنشائه من شمس ، وقمر ، ونجم ، وشجر ، وغير ذلك ، ولمَّا خصَّ الله جل ثناؤه اللسانَ العربي بالبيان علم أن سائر اللغات قاصرة وواقعة دونه [2] .

إرسال الرسل بلغات أقوامهم:

ما ترك الله المكلفين حتى بيَّن لهم السبيل إليه ، فأرسل لهم الرسل ، وأنزل عليهم الكتب ، وعلَّمهم ما يحتاجون العلم به ، كما قال سبحانه: ] رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [ ( النساء: 165 ) وكل رسول بعثه الله تعالى إنما بعثه من نفس قومه ، لا من غيرهم، يعرفونه ويعرفهم ، ويتكلم بلغتهم ، كما في قوله سبحانه: ] وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الَعَزِيزُ الحَكِيمُ [ ( إبراهيم: 4 ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لم يبعث الله نبيًّا إلا بلغة قومه ) [3] .

ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل وأفضلهم ، أُرْسِلَ إلى الناس كافة ، وخُوطِبَ بدعوته العرب والعجم ، بعثه الله تعالى من قريش أوسط العرب وأفصحهم وخوطب الناس بالعربية ؛ لأن أمة العرب أفصح الأمم لسانًا ، وأسرعهم أفهامًا ، وأقدرهم بيانًا ، وألمعهم ذكاءً ، وأحسنهم استعدادًا لقبول الهدى والرشاد [4] .

العربية محفوظة:

أنزل القرآن بلغة العرب ؛ لأنها أصلح اللغات ، جمع معان ، وإيجاز عبارة ، وسهولة جري على اللسان ، وجمال وقع في الأسماع ، وسرعة حفظ [5] ، قال الله تعالى: ] وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ [ ( الشعراء: 192-195 ) فوصفه الله تعالى بأبلغ ما يُوصف به الكلام وهو البيان [6] .

وارتبطت اللغة العربية بهذا الكتاب المُنَزَّل المحفوظ ، فهي محفوظة ما دام محفوظًا ، فارتباط اللغة العربية بالقرآن الكريم كان سببًا في بقائها وانتشارها حتى قيل: لولا القرآن ما كانت عربية [7] .

سعة اللغة العربية:

اللغة العربية أوسع اللغات ، وأكثرها بيانًا وإفهامًا بحاجة الإنسان ، قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ( لسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا ، وأكثرهم ألفاظًا ، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي ) [8] .

إن اللغة العربية غنية بثروة لغوية لا قدرة لأحد على أن يحصيها ، لأن هذه الثروة من الضخامة والسعة بحيث لا تسلس قيادها لمن يريد حصرها أو إحصاءها وإن أكثر مواد اللغة العربية غير مستعملة ، وكثير منه غير معروف [9] قال الكسائي: ( قد دَرَس من كلام العرب كثير ) [10] .

وقال أبو عمرو: ( ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله ، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير ) وذكر الزبيدي في مختصر العين أن عدة مستعمل الكلام كله ومهمله ستة آلاف ألف وتسعة وخمسون ألفا وأربعمائة ( 6059400 ) والمستعمل منها خمسة آلاف وستمائة وعشرون ( 5620 ) والمهمل ستة آلاف ألف وستمائة ألف وثلاثة وتسعون ( 6600093 ) ، وذكر عبد الغفور عطار أن المستعمل في العربية في عصرنا الحاضر لا يكاد يزيد على عشرة آلاف مادة مع أن الصحاح للجوهري يضم أربعين ألف مادة ، والقاموس ستين ألف مادة ، والتكملة ستين ألف مادة ، واللسان ثمانين ألف وأربعمائة ، والتاج عشرين ومائة ألف مادة [11] ، حتى قال ابن فارس فأين لسائر الأمم ما للعرب [12] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت