فهرس الكتاب

الصفحة 13262 من 27345

تفسير سورة الأعلى الحلقة الثالثة

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:

فإنا نعود اليوم لنصل بحول الله وعونه ما انقطع من حبل الكلام حول سورة الأعلى ، مضت الجمعة الماضية في حديث عن الحج ، كان ضروريًا أن يقال . والتي قبلها لم يُقدر لنا أن نلتقي ، ولست أدري بالضبط ما الذي قلته من قبل ولم يتيسر لي أن أستمع إلى الشريط المسجل لآخر خطبة من سورة الأعلى ، من أجل ذلك أتوقع أن يكون في الأفكار بعض التكرار ، فإن حصل فلست أظن ذلك من غير فائدة .

يقول الله تعالى ( بسم الله الرحمن الرحيم ، سبح اسم ربك الأعلى ، الذي خلق فسوى ، والذي قدر فهدى ) وفي ظني أننا وقفنا عند هذا القول ، ثم يقول الله تعالى ( والذي أخرج المرعى ، فجعله غثاءً أحوى ) ويلاحظ قبل أي شيء أن المعنى العام والأولي لهاتين الآيتين وهو ما يراد له أن يستقرّ في عقل المؤمن وحسه هو الإشارة إلى فناء هذا الإنسان ، وإلى حتمية مرجعه إلى الله تبارك وتعالى . وأظنكم تذكرون جيدًا أن هذا المعنى منذ بواكير التنزيل تكرر مرارًا ، فما من مناسبة تعرض إلا وركّز القرآن أضواءه عليها ، ليقيم في عقل الإنسان ويقرّ في ضمير الإنسان حتمية المصير إلى الله . وهذا المعنى يُساق في هاتين الآيتين سياقةً غير مباشرة ( والذي أخرج المرعى ، فجعله غثاءً أحوى ) يريد الله تعالى أن يلفت نظر الإنسان بعيدًا عن المحاكمات العقلية ، وبعيدًا عن الأقيسة المنطقية ، وبعيدًا عن كل التجريدات التي يلجأ إليها الناس عادة لتقريب المذاهب والأفكار ليشده إلى ظواهر يراها رأي العين ويلمسها لمس اليد ، أي إنسان لا يرى من حوله ظاهرة النبات .. بذرة تلقى في الأرض ثم تنشق عنها الأرض نباتًا هشًا طريًا تكاد قطرات النسيم أن تقصفه وتقتلعه ، ثم إذا استجمع ريًّا واستوثق شدةً كان نباتًا يروق العيون ويريح النفوس ، ثم يأتيه من أمر الله ما يأتي على كل أحياء الدنيا وعلى كل أشياء الدنيا ، فإذا هو بعد الشدة إلى ضعف وبعد النماء إلى نقصان .

هذه الظاهرة التي يراها كل إنسان مَثلٌ مشهود على هذا الإنسان وعلى جملة ما في الحياة ، كلها إلى زوال . وأنت أيها الإنسان مثلك كمثل هذا النبات ، تخرج إلى الدنيا جنينًا صغيرًا ، ثم تنمو وتنمو وتنمو حتى تكون شابًا فرجلًا فكهلًا ثم شيخًا تُحني السنون ظهرك وتأخذ الأيام من منّتك وقوتك ثم يأتيك من قدر الله جلّ وعلا ما لا مردّ له ولا محيص عنه ، فتذهب حيث ذهب الذين مضوا من قبلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت