فهرس الكتاب

الصفحة 13263 من 27345

الله جلّ وعلا يلفت نظر الإنسان إلى هذه الظاهرة ليستقيم في حسه هذا الشيء ، ولكن لنا أن نتساءل: أي إنسان في هذه الدنيا في القديم وفي الحديث وطالما وُجد الناس على الأرض لا يعرف هذا الأمر البدهي ، من قال: إن الإنسان خُلق للبقاء والخلود ؟ وهل جرى ذلك على لسان أحد ؟ نقول: لا . ويقال لنا: الكلام عبث . إذا كان كل إنسان يعرف حتمية الموت ، فلماذا هذا المثل ؟ أليس من فارغ القول ؟ وذلك صحيح بالنسبة إلى الذين لا يعقلون والذين لا يعرفون مواقع الأمثال التي يضربها الله تعالى ، وصدق الله ( وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ) وصدق الله ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) فكّروا بالمثل أكثر ، إن وضع الصورة أمام الإنسان بهذا الشكل ( والذي أخرج المرعى ، فجعله غثاءً أحوى ) وفكّروا مع وضع الصورة بهذا الشكل في قوانين كلام العرب ، فستجدون أن العرب حينما تقول: (والذي أخرج المرعى وجعله غثاءً أحوى) . فقد يكون هذا المصير متراخيًا ضاربًا في الآماد والآباد ، ولكنها حينما تغير الواو بالفاء ، بدل وجعله يقول: فجعله . فإنما تريد بذلك ما يُعرف بالتعقيب ، أي أن الأمر الثاني حصل عقيب الأمر الأول ، تقول: جاء زيد وعمرو ، فيكون المعنى جاء عمرو بعد زيد ، ولكن متى ؟ قد يكون جاء بعد ساعة وقد يكون جاء بعد مئة سنة ، وكلا الأمرين يصدق عليه صياغة الكلام ، لكن حينما تقول: جاء زيد فعمرو ، فهذه الفاء أحالت المعنى إلى صورة أخرى ، وجعلت مجيء الثاني يلي مباشرة مجيئ الأول ، ما لذي نريده من هذا ؟ نريد أن يُعلم أنه حينما نسمع الله جلّ وعلا يقول ( والذي أخرج المرعى ، فجعله غثاءً أحوى ) يريد أن يشير إلى قصر المدة بين استجماع القوة والنشاط وحلول الفناء والدمار ، كأنه لا فاصل يفصل بين الأمرين ، وما فائدة هذا ؟ فائدة هذا أن يوقظ الإنسان الذي اعتاد بتراخي الأيام ومرور الشهور والسنين أن ينسى هذا المصير ، فالإنسان لا يذكر الموت والفناء باستمرار ، ولو أن صورة الفناء تركزت أمام ناظري الإنسان بصورة مستمرة لم تغب عنه أبدًا لكان إنسانًا على غير ما هو عليه ، بل ربما حلّ الكسل والخمول وعدم إرادة النشاط محل هذا الذي نراه من الإنسان ، ولكن بين الذكر للموت بصورة مستمرة ، وبين النسيان المطلق لهذه العاقبة الحقة حالة وسط أرادها الإنسان ، أراد له أن يسعى وأن يضطرب في جنبات الأرض وأن يبتغي عند الله الرزق ، وأن يحمل على عاتقيه مهمته ووظيفته في إقرار هذا الدين في الأرض ، وحمله إلى الناس ، وأراد له في كل ذلك أن لا يغفل عن الله ، وأن لا ينسى حتمية المصير . فمن العادة أن الإنسان ينسى ، بل يحاول إراديًا أن يطرد من ذهنه صورة الموت والفناء ، بل يحاول في بعض الأحيان أن يغمس نفسه في المسكرات والمخدرات لينسى هذه الواقعة ولكي يتهرب من ضغطها عليه . أراد الله تعالى بهذه الصورة أن يشعر الإنسان أن الموت رصد قائم عليه ، قد يأتيه وهو في أوج الشباب ، وقد يأتيه وهو في ذروة القوة ، وقد يمهله حتى يصوّح كما يصوح النبات .

فهذه فائدة المثل من جهة ، وللمثل فائدة أخرى ، انظر إلى هذا النبات ... أنت تمشي فترى نبتة في الأرض ، راقبها جيدًا ، هذه النبتة بعد شهور تكون كأن تكن ، تعال في مثلها في العام القادم ، تجد أن نبتةً من ذات الجنس نبتت في ذلك المكان أو قريبًا من ذلك المكان ، أتظن أن هذه النبتة نبتت من غير سبب ؟ الرائي الذي لا يراقب يظن أنها وُجدت هكذا ، ولكن عالم النبات يعرف أن بذرة مهما تبلغ من الدقة ومهما تبلغ من الصغر فلا بد أن تكون تساقطت من النبتة الأولى فولدت النبتة الثانية . هذا الإنسان الذي يموت هل انتهى أمره ؟ لو أن أمره انتهى وأسدل الموت عليه ستاره الأخير ، لكانت المسألة على خلاف ذلك . الله تعالى حين يضرب لك هذا المثل يقول لك: إن هذا الفناء الذي تراه فناءً ، تضع الميت في قبره وتغلق عليه لحده وتتركه لعوامل التحلل والفساد ، فإذا جئته بعد عدد من السنين وأردت أن تتعرّف على هذا الميت الذي وضعته في هذا اللحد كان في يدك قبضة من تراب ، وأما الميت فكأنه ما وضع في هذا المكان . أتلك عاقبة الحياة ؟ أهذا كل شيء ؟ لا . إن الميت الذي مات انتقل إلى دار أخرى ليعيش نمطًا آخر من الحياة ، تلك الدار هي دار البقاء ، وكما أنك تمر بالنبات لذي تعصف به رياح السموم فتجعله كأن لم يكن فتقول: قد انتهى ، ثم إذا بك تفاجأ به ينمو من جديد ، فكذلك هذا الإنسان لا بد أن يكون بين يدي ديان جبار متكبر وهو الله تبارك وتعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت