فهرس الكتاب

الصفحة 8243 من 27345

يقول تعالى:?وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ? [آل عمران159 ] .

جاءت صيغة طلب المشاورة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه بلفظ الأمر: وشاورهم، والأمر يقتضي الوجوب، ومع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو المعروف بحرصه على العدل، في كل ما يصدر عنه سواء قبل البعثة أو بعدها، فهو ذلك الرجل الذي عزف عن الدنيا، ولم يمل إلى هواه أدنى ميل، مع كل ذلك فإن الله سبحانه يأمره بالشورى في ما لم ينزل فيه وحي في أمر الحكم وتدبير شئون الأمة بتشاور مع المؤمنين، وذلك لما في التشاور من الفوائد الآتية:

1-للمصلحة العامة المترتبة على المشاورة، حتى تصبح المسئولية جماعية ورأي يُستخلص من رأي بعد التشاور، وبهذا يتم التعاون والتضامن في الرأي والتنفيذ.

2-في التشاور إبعاد لأي نقد يصور من بعض الأفراد عند التنفيذ، ذلك أن شئون الحياة تختلف فيها نزعات الناس ورغباتهم، لكنهم عند التشاور يصدرون جميعًا عن رأي واحد.

وهو الأقرب لحل المشكلة، وبذلك يحصل الرضا النفسي عند الجميع وتُسكت الألسنة التي دأبها الانتقاد والطعن والتشكيك .

وبذلك تستفيد الأمة ما يأتي:

أ ـ نضوج الرأي .

ب ـ الاتفاق عليه .

ج ـ مع الالتزام به وتحمل المسئولية في تنفيذه، ويظل الترابط والتعاون بين الحاكم والمحكوم قويًا والثقة تامة.

3-وهناك أيضًا فائدة جليلة ، وهي: إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد سلك مسلك الشورى مع المؤمنين، فإنه أحرى بمن يأتي بعده أن يلتزم بمبدأ الشورى، ذلك أن غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحوج ما يكون إلى المشورة لقصور رأيه ، واحتمال خطئه احتمالًا كبيرًا .

4-عندما يشرع الله سبحانه الشورى لعباده ، ويجعل رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو أول من يطبقها، فإن معنى ذلك ، أن الله سبحانه يريد حماية الناس من تسلط من يحكم رقاب المسلمين بالاستبداد في الرأي، وارتكاب الهوى، وإصدار الأحكام دون الرجوع إلى أهل الرأي والمشورة .

5-والتشاور حينما يحصل بين الحاكم وأهل الشورى، إنما يكون فيما لا نص فيه من كتاب وسنة ، وليست العصمة قائمة للمتشاورين عن الخطأ، فكما يحتمل خطأ الحاكم، يحتمل كذلك خطأ أهل الشورى، لأنهم بشر ، لكن احتمال الخطأ منهم، أقل بدرجات ومراحل من احتمال الخطأ من فرد واحد، إذن فالشورى أقرب إلى الأمان وأبعد عن الخطأ، كما أن فيها حماية للانقسام والتمزق داخل الصف الإيماني .

6-والشورى كذلك ليست حقًا محضًا للحاكم إن شاء منحها للمؤمنين وإن شاء حرمهم إياها، بل هي واجبة عليه بأمر الله عز وجل: ?وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ? [آل عمران:159] ، ولأن الشورى نفسها تضبط تصرفات الحاكم فيما لا يحق له ولا يخول له الشرع أن يتصرف فيه مثل العبث بأموال المسلمين، وتولية الظالمين وغير الأكفاء على رقاب المسلمين ونحو ذلك ثم إن القرآن الكريم لم يكتف بصيغة الأمر في الشورى والتي سبقت الإشارة إليها بل هناك صيغة أخرى ، تأملوا في قوله تعالى: ? إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ? الحجرات:10]، هذه الآية جاءت بصيغة الخبر عن أخوة المؤمنين فالله سبحانه وتعالى لم يقل: كونوا إخوة، ذلك أن صيغة الخبر أقوى في الدلالة من صيغة الأمر، وأدعى إلى مبادرة الامتثال من المؤمنين، لأن فيها الإخبار عن طبيعة المؤمنين التي لا يتخلون عنها ولا تفارقهم، فهي جزء من كيانهم، ومثل هذه قول الله تعالى: ? وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ? [ الشورى: 38] ، ضمن الآيات الواردة في سورة الشورى في قوله تعالى: ? َمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ َالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ َالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ? [ الشورى: 36-39] .

فإذا كانت الصلاة والزكاة واجتناب الفواحش صفات من صفات المؤمنين لا تنفك عنهم، فإن الشورى كذلك صفة للمؤمنين لا تنفك عنهم، لأن المؤمن أبعد ما يكون عن الظلم ومظانه من احتكار الرأي والاستبداد به وارتكاب الهوى وعدم الرجوع إلى رأي أهل الاختصاص من أهل العلم والحنكة والدربة والروية وحصافة الرأي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت