محمد أبو رمان 21/12/1426
ثمة خطاب فكري وسياسي عربي، يصدر في أغلبه من معاقل العلمانيين واليساريين العرب، ينظر بعين الريبة والاتهام إلى مفهوم"الإسلام المعتدل"بدعوى أنّ هذا المفهوم أصبح اسمًا حركيًا تستخدمه الإدارة الأميركية لتفريغ الإسلام من محتواه النضالي والجهادي، وللانقلاب على الحركات الإسلامية المقاتلة، بافتعال حروب داخل النشاط الإسلامي، تتولى فيها التيارات الإسلامية المعتدلة الحرب، بالوكالة عن الولايات المتحدة، على التيار الإسلامي المتشدد، وتكون محصلة ذلك خدمة المصالح الأميركية في المنطقة.
وفي الوقت الذي تشهد فيه بعض الدراسات والرؤى الصادرة عن مراكز الخبرة والتخطيط الأميركية لهذه الدعوى، كدراسة (راند) "الإسلام المدني الديمقراطي"، التي توصي بدعم الإسلاميين المعتدلين والعلمانيين العرب لمواجهة الإسلام الراديكالي. إلا أنّ ذلك لا يعني الانسياق وراء هذه القراءة المختزلة لنجعل قيم الاعتدال والوسطية والعقلانية في الإسلام وكأنها"وصفة غربية"دخيلة على المجتمعات العربية والمسلمة، ونجعل - في المقابل- التطرف والتشدد بمثابة الأصل والجوهر العام الذي يصبغ أحكام الإسلام وتشريعاته!
بالتأكيد هناك دعاوى أميركية لإيجاد صيغة من الإسلام المهجن الوديع، لا يتناقض مع المصالح الأميركية في المنطقة العربية. لكن هذه الصيغة المطروحة تتناقض مع منطق الإسلام ذاته أولًا، ولن يكتسب أي تيار إسلامي، أيا كانت توجهاته، يقبل بالصيغة الأميركية أي دور اجتماعي فاعل ثانيًا. والموضوع- من ناحية أخرى- لا يرتبط بطبيعة الخطاب الإسلامي بقدر ما يرتبط بمصالح سياسية على أرض الواقع، تحكم بدرجة رئيسة طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والحركات الإسلامية وغيرها من القوى العربية أينما وُجدت. إذ يمكن أن تتحالف الإدارة الأميركية مع أكثر التيارات الإسلامية تشددًا وتطرفًا إذا كانت مصالحها تقتضي ذلك، ويمكن أن تعادي أكثر التيارات الإسلامية اعتدالًا وفقًا لاعتبار المصالح.
ولماذا نذهب بعيدًا فلدينا أمثلة ملموسة واضحة؛ فتقرير مؤسسة (راند) ذاته يدعو إلى استخدام"الإسلام التقليدي"في مواجهة"الإسلام الثوري"، ومن المعروف أن الإسلام التقليدي يمثل حالة من الانغلاق ورفض الاجتهاد والتجديد العقلاني في الرؤى والتشريعات الإسلامية. كما تعتمد الحكومات العربية على اتجاهات تقليدية متعصبة في مواجهة الإسلام العقلاني المعتدل. حتى"الجهاد الأفغاني"فقد تم توظيفه - بامتياز- من قبل الولايات المتحدة والحكومات العربية المحافظة في مواجهة الاتحاد السوفيتي والحكومة الموالية لموسكو في أفغانستان، ولما انتهت وظيفته جعلوا منه مصدر تهديد ليخدم مصالح أميركية أيضًا!
وفي الوقت الذي رفض فيه البرلمان التركي، الذي يسيطر عليه حزب (العدالة والتنمية) المعتدل جدًا، أن يسمح للقوات الأميركية بالانطلاق من الأراضي التركية في حرب العراق الأخيرة، فإنّ"قوى إسلامية شيعية"ساهمت- وهي جد متشددة مقارنة بالعدالة التنمية- باحتلال العراق وخدمة أجندات إقليمية.
ما سبق يطرح أسئلة مشروعة على ما يُسمى بوصفات الإسلام المعتدل والمتطرف؛ فمن الأقدر على التعبير عن مصالح الشعوب العربية والمسلمة والدفاع عنها وخدمتها: الإسلام المعتدل العقلاني أم الإسلام المتطرف المأزوم؟! وأي خدمة أسدتها خلايا القاعدة للمحافظين الجدد وإسرائيل في أحداث 11 أيلول؟ من كان المستفيد الأول والأهم من هذه الأحداث ومن مثيلاتها في لندن وباريس ومدريد وشرم الشيخ وعمان؟ ومن يمثل المقاومة الحقّة التي تخدم العراقيين: هل هو الزرقاوي وجماعته وخطابه وممارساته النزقة التي تدفع باتجاه احتراب داخلي وفوضى قاتلة؟ أم المقاومة الوطنية والإسلامية القادرة على توظيف السلاح لخدمة المصالح السياسية وقيادة مشروع الاستقلال والبناء والحوار الداخلي؟
حتى في المنظور التاريخي، وفي سياق تحليل الشروط الواقعية، فإنّ الإسلام المعتدل انتشر في فترات الانفتاح والازدهار واللحظات التي شهدت قدرة من النظام العام على الاستجابة للتحديات ومواجهة الأسئلة الكبرى. بينما انتشرت تيارات التطرف والتشدد في فترات الأزمات والإخفاق، وعجز هذا النظام عن مواجهة التحديات. وما فِرَق الخوارج والحشاشين إلا نتاج أزمات كبرى في الخبرة الإسلامية، أدّت دورًا تخريبيًا دمويًا. ومثلت رؤى منحرفة خطيرة ابتعدت عن مقاصد الإسلام وغاياته، وكانت بمثابة انعكاس للأزمات والشروط التي أنتجتها أكثر منها تعبيرًا عن الإسلام ورسالته الإنسانية والأخلاقية.
وفي هذا العصر، خرجت حركات التطرف والتشدد الإسلامي من أتون الأزمات ومن رحم المعتقلات والسجون والتعذيب. أما مجموعات وخلايا القاعدة المنتشرة في كثير من دول العالم، فهي رد خاطئ على أزمات سياسية ومجتمعية، أخفق النظام العام بإيجاد فرص ومناهج صحيحة للتعامل معها.