فهرس الكتاب

الصفحة 6131 من 27345

الثقافة الجنسية الجامعية: دعوة للتأمل

د.محمد سالم سعد الله

أستاذ الفلسفة والمنطق والفقه الحضاري / جامعة الموصل

تنهض البنية المؤسساتية الجامعية على مقومات وأسس تقليدية هدفها الحفاظ على سلوكيات النخبة المثقفة ، وتكوين المعرفة العلمية التي توصف بميزتها للتحول والتطور والتفاعل مع المستجدات العالمية ، ثم ضخ هذه المعرفة في مسيرة المجتمع المتطلع إلى الاطمئنان على بناء دفاعاته تجاه الجهل والفوضى ، والمندفع نحو تحصين الذات الأكاديمية من المعوقات والأفكار الوافدة المفتقرة إلى خصيصة التحول من الظاهرة إلى الخبرة بسبب تغير البيئة مكانًا وزمانًا .

إنّ التحول من الظاهرة إلى الخبرة يتطلب أنساقًا منهجية تتسم بالخصوصية في كلّ بيئة تنتمي إليها ، وإنّ المسافة الزمنية التي يستغرقها تخضع للنسبية ، لذا فإنّ انتقال المادة العلمية من بيئة إلى أخرى دون مراعاة الحاجة الاجتماعية والاستعداد النفسي للتلقي ، تقود حتمًا إلى انعطافات في التوجه الفكري ، وتغيرات في القناعات المتحصلة لدى الفرد ، فضلًا عن ظهور نماذج تدين بالولاء للوافد الجديد من غير معرفة بالخلفيات الفكرية المنطلق منها .

ومن الجدير بالذكر أنّ فعل التكوين المعرفي الجامعي قائم على أساس فعل الهدم والبناء ، فلأجل بناء الهرم الواعي المنتظم بسلسلة لا نهائية من التنوعات العلمية لابد من هدم أو خلخلة الترتيب التقليدي ، ومن أجل إيجاد الطرق الفاعلة في تطوير النهج الجامعي ونقله من السكون إلى الحركة ، ومن الخمول إلى النشاط ، لابد من إعلان البراءة من سلوكيات الجهل ، وكشف عيوب التوجه الكلاسيكي ، ووضع الإصبع على موضع الألم ، والانتقال إلى الفكر الحرّ ضمن سياقات تدور في فلك العقيدة السليمة ، والخُلق المتزن القويم .

إنّ المقدمة السابقة ستغدو عقلانية إذا علمنا أنّ الجامعة بوصفها مؤسسة تربوية أولًا ، وعلمية معرفية ثانيًا ، تتعرض الآن إلى حملة منظمة تتسم بالهدوء ، وشعارات التغيير والإصلاح الذي غدا سمة مميزة للدول الجانحة نحو الديموقراطية ، وإرساء دعائم حرية الفرد الغائب الحاضر: غائب بوصفه مواطنًا ، وحاضر بوصفه جسدًا ، وتهدف هذه الحملة إلى فتح الباب أمام كلّ التوجهات المتعلقة بالعاطفة الإنسانية ، بدعوة مساعدة الفرد الملتف بعباءات المجتمع وتقاليده ، ومحاولة تخفيف الكبت المسيطر عليه ، وتشجيعه للحديث عن موضوعات باتت إلى وقت قريب عنوانات لا يجرؤ المرء الحديث عنها ، بسبب الحياء ـ ربما ـ أو بدافع التدين ، أو الالتزام بالنهج العرفي الذي يمنع فتح قنوات الحديث هذه .

إنّ السعي وراء تطوير العلم ، وتكوين المعرفة المعاصرة لا يعني بشكل من الأشكال التدمير النفسي للمتلقي ، والجنوح نحو أفكار تحمل في مضمونها فلسفة هدامة ، ومدركات تجعل الفرد في حالة شك ودهشة مستمرين ، لذا توجب على المعنيين ـ الموكل إليهم وضع مناهج التعليم ـ تمحيص الخطط الموضوعة ضمن جدول الأعمال ، ودراسة المناهج المحددة في المراحل الدراسية كافة الأولية منها والعليا ، لأن التهاون في تمحيصها هو دعوة لتمرير المناهج التي لا تنتمي لبيئتنا ولا تناسب طبيعة مجتمعاتنا ، لا سيما ونحن نرزح تحت احتلال يهدف إلى زعزعة التزام الفرد ، ونزع قيم انتمائه لبلده ووطنه ، وإفراغ قيم التدين والخلق القويم التي ما زال جمهور من المجتمع يتمتع بها ويفاخر بأصالتها .

تتعرض جامعاتنا اليوم إلى دعوة متسارعة الفكر متريثة الخطى ، هدفها تأسيس طبقة مثقفة تدعم مشروع إيجاد مادة ( الثقافة الجنسية ) بوصفها مادة علمية حضارية تفتقر إليها الجامعة في مناهجها !! ، ويحتاجها الطالب في حياته العلمية والاجتماعية والنفسية ، والغرض تصحيح الفكر الموروث عن الجنس ، وفتح الأذهان وتنويرها في هذا الجانب ! ، وتدخل هذه الدعوة الآن أروقة المثقفين العرب ، وتشغل ميدان محاوراتهم بين مشجع ومناقش ومتبنٍ ومعارض ، وحسبنا في هذا المقام بيان الإيجابيات والسلبيات المرافقة لدعوة إيجاد مادة الثقافة الجنسية الجامعية وتعميمها ، والسبل الكفيلة المتوجهة نحو محاورة هذه الدعوة توافقا ومخالفة.

وقبل الدخول في تفاصيل مناقشة الدعوة ، يمكن القول: أنّ مادة الثقافة الجنسية الجامعية هي من المفردات المهمة في المدارس الثانوية الغربية ـ الأوربية منها والأمريكية ـ وتعطى هذه المادة بشقيها النظري والعملي ، النظري من خلال دراسة الأفكار وأبرز النظريات والكشوفات العلمية المستجدة ، والعملي من خلال الحديث عن تجارب الطلبة وخبرتهم في هذا الميدان ، وللبيئة الغربية دافع مهم في إعطاء هذه المادة ، وذلك بسبب طبيعة الحياة المنفتحة ، التي لا تخضع لمعايير دينية أو عرفية أولًا ، وبسبب غياب الواعز الفردي الذي ينهي عن هذه التمثلات ثانيًا ، ولحاجة الفرد الغربي لإشباع غريزته الهائجة ثالثًا ، فضلًا عن أنّ السلوك العام يشجع هذه المسألة ويحث عليها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت