فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
(وآتاكم من كل ما سألتموه)
إبراهيم غرايبة 27/11/1425
الدعاء إدراك واعٍ ومسبق لما يريده الإنسان، وهذا ما يجعله ممكن التحقق، وربما لأجل هذا فإنه مخّ العبادة، وكأنه تواصل مع الخالق يعيد به الإنسان تشكيل نفسه كما يريد، ولذلك يجب أن يكون الإنسان حذرًا من نفسه، فهو مسؤول عن إرادته هذه، ورب دعوة توافق ساعة استجابة. إن الإرادة سر عظيم تفسر كل ما تحقق للأفراد والمجتمعات، وكأن تحقيق الإنجازات لا ينقصها إلا الإرادة.
الإنسان أخطر وأعقد بكثير مما يعرف عن نفسه، وعندما يكتشف في ذاته ما أُودع فيه من أسرار وطاقات، والحضارة الإنسانية قائمة على إدراك الإنسان لنفسه، وسعيه لأن يجعل من نفسه ما يريد أن يكون، ورؤيته لموارده في نفسه أولًا، وليس فيما تهبه الطبيعة من موارد، من هنا نشأ العلم والإبداع والفلسفة والشعر والرواية والتجارة والمقايضة والكتابة والمهارات الفنية واليدوية والمهن والسفر والإقامة والعمارة، ...
والإنسان في سؤاله عما يريد ويتمنى، وفي سعيه لتحقيق أهدافه ورغباته إنما يكاد يخاطب نفسه ويطلب منها ما يجب أن تكون، ولذلك فإن الخطوة الأولى لتحقيق ما نريد أو تجنب ما لا نريد تبدأ بتهيئة أنفسنا لذلك، أو هي تعني ذلك.
لقد خرج آدم من الجنة بإرادته ورغبته في الخلود، كان يعذبه المجهول وأراد أن يعرف أسرار ما بعد تناول الثمرة المحرمة، فكانت الحياة والحضارة والصراع والنجاح.
ويوسف عليه السلام سجن برغبته (قال رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه، وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن، وأكن من الجاهلين، فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن...) [يوسف:33-34]
(ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها) ، (ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها)
فالسؤال ما ذا نريد، لا يعني فقط أن نبحث عن أهدافنا وآمالنا ونراجعها، أو نكتشفها، ولكنه أن نجعل من أنفسنا ما نريد أن تكون عليه، وأن نتوجه إلى أنفسنا فيما نريد، فالإنسان نفسه هو من يملك الإجابة ويقدر على تحقيقها.
فالتحدي والفعل في تحرير أنفسنا من رغباتها، والارتقاء بها لترغب فيما نريده لها، أو ما يجب أن تريده، وهذا هو السؤال.
وكأن الإنسان عندما هبط من الجنة إلى الأرض، ومعه السر العظيم"اسم الله وكلمته"ليعود بها إلى الجنة مرة أخرى، جعله البحث والكد يستعيد بنفسه حالة كان لا يرى بها ذلك السر عندما كان لا يجوع ولا يعرى، ولا يظمأ ولا يضحى، مثل تفكيك الأحجية، وتحليل الظاهرة، وإعادة تركيبها، لم تقنعه النهاية التي بدأ بها، فأراد أن يبدأ بالبداية ليصل إلى النهاية التي بدأ بها، وشأن الإنسان دائما مثل الطفل الذي يبحث ويفكر ويحلّل ويفكّك بلهفة وجرأة ومغامرة، إن الطفل أصدق صور الإنسان وأقربها إلى الفهم والصواب.
فالناس لا يفضلون بعضهم عند الله وفي الحياة أيضا إلا فيما يجعلون من أنفسهم، وسيلقون الله بلا شيء مما اكتسبوا سوى ما جعلوا أنفسهم عليه، ما أرادوا لأنفسهم أن تكون، وهم يحاسبون على ما أرادوا لأنفسهم أن تكون.
( قل كل يعمل على شاكلته) (ولكل وجهة هو موليها) .
وفي الحديث النبوي عن الإعرابي المريض الذي عاده الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال له: شفاء وطهور، فقال: بل هي حمى تفور على شيخ كبير لتورده القبور، فقال له الرسول: فهي إذن، فلو أرادها شفاء وطهورًا لكانت، لكنه أرادها حمّى فكانت كذلك، كأنك تصنع من الأشياء والأفكار والأحداث والقضايا ما تريده أنت، ماذا كان سيحدث لو سخّر أنشتاين ورفاقه بحوث الطاقة لأجل تحلية المياه وريّ الصحراء؟
أسأل نفسي كل يوم، وفي نهاية كل عام أراجع ما أنجزته، وما قصّرت في تحقيقه، ولا أزعم أني أملك إجابة كافية ومريحة لسؤالي الموجع والمحيّر، هل أسير في الاتجاه الصحيح الذي أريده بالفعل لنفسي؟ وبصراحة فإنني كلما نظرت في المرآة أجد أن ذلك الشخص الذي يظهر لي يشعرني أنني لم أفعل كثيرًا مما وعدته بأدائه، وللأسف الشديد فإنني لا أستطيع تجاهله، ولا تغني عن رضاه كل مشاعر الرضا والثناء والتي يتبرع بها غيره.
والإنسان يدرب ملكاته الفكرية والروحية والعقلية، ويطورها تمامًا كما يدرب جسمه وعضلاته، وبالطبع فإنه يمكن أن يصل في ذلك إلى مستوى متقدم، كما يصل العداؤون وأبطال الوثب والسباحة وكرة القدم، وإذا لم تطور الملكات والاستعدادات الروحية والعقلية فإنها تضمر كما يضمر الجسم وتترهل، ويمكن أن يوصل الإنسان نفسه إلى مرحلة من القدرة والفراسة على التحليل والمعرفة والاستماع للحكمة وفهمها.
في رواية الكيميائي لِـ (باولو كويلو) يرى الفتى موضوع الرواية حلمًا، يرى أن اللصوص يهاجمون الواحة (الفيوم في مصر) بأعداد كبيرة.
يجد الفتى أن من واجبه أن يخبر شيخ الواحة ويحذّره من خطر يهدّد الواحة.