د. محمد عمر دولة*
يا لسعادة الشاكرين! فإنهم يعيشُون في اطمِئنانٍ ونعيمٍ ويقين!
فلو نَظرتَ إلى العَبدِ الشاكرِ؛ ألْفَيتَه رجلًا مُطمَئنَّ القَلبِ قَرِيرَ العينِ، فهو راضٍ عن ربِّه تَمامَ الرِّضا؛ لِما يراه مِن نِعَمِ الله تَتْرَى عليه صباحًا وعَشيًا؛ مما يملأ قلبَه حبًّا لله ورجاءً فيه ويقينًا في رحمتِه واطمئنانًا إلى لطفِه وفضلِه وطمعًا في جُودِه وكَرَمِه. فقد قال عز وجل: (وإذ تأذَّنَ ربُّكم لئن شكرتم لأزيدنَّكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديدٌ) . [1] قال القرطبي رحمه الله:"الشاكر مُعرَّضٌ للمزيدِ كما قال (لئن شكرتم لأزيدنكم) ". [2] "والآية نصٌّ في أنَّ الشكرَ سببُ المزيد"، [3] وقال جعفر الصادق:"إذا سمعتَ النعمةَ نعمةَ الشكرِ؛ فتأهَّبْ للمزيد (ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) أي جحدتم حقي، وقيل: نعمي؛ وعد بالعذاب على الكفر كما وَعدَ بالزيادة على الشكر". [4]
بينما الجاحِدُ.. لا يهدأ له بالٌ.. ولا يرتاحُ له قلبٌ ولا ذِهنٌ؛ لأنَّه يشعرُ بألَمِ المعصيةِ وعُقدةِ الذنبِ ووَخزِ الضميرِ؛ ولأنه كذلك يرى نفسَه أهلًا لأن يُنعِمَ الله عليه بأكثرَ من هذه النعم! فكلُّ ذلك يُنغِّصُ عليه حياتَه ويُفسِد عليه سَعادتَه، ويُشعره دائمًا بقلةِ ما هو فيهِ وانعِدامِ السعادة والهناء. ولو أُعطِيَ الدنيا كلَّها لم يُرضِه ذلك؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: (ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع) ! [5]
وكذلك مَن يجحد نِعَمَ الله عليه؛ يُحْرَم نعمةَ الطمأنينة ولذةَ الشعورِ بالسعادة الحقةِ التي لا تكتمل إلا برضوانِ اللهِ عن العبدِ وإقبالِ العبدِ على ربِّه بالمحبة والرضا والذل والطاعة؛ ولله درُّ ابن القيم ما أصدقَ قولَه:"في القَلبِ شَعَثٌ لا يَلُمُّه إلا الإقبالُ على اللهِ، وفيهِ وٍحْشَةٌ لا يُزِيلُها إلا الأُنْسُ به في خَلْوتِه، وفيه حُزنٌ لا يُذْهِبُهُ إلا السُّرُورُ بمعرفتِه وصِدْقُ مُعامَلَتِه، وفيه قَلَقٌ لا يُسَكِّنُه إلا الاجتِماعُ عليه والفِرارُ منه إليه، وفيه نِيرانُ حَسَراتٍ لا يُطْفِئها إلا الرِّضا بأمْرِه ونَهْيِه وقضائه، ومُعانَقةُ الصبرِ على ذلك إلى وَقتِ لقائه، وفيهِ طلبٌ شديدٌ لا يَقِفُ دون أنْ يكونَ هو وحدَه مَطْلُوبَه، وفيه فاقَةٌ لا يَسُدُّها إلا مَحَبتُه والإنابةُ إليه ودوامُ ذِكْرِه وصِدْقُ الإخلاصِ له؛ ولو أُعْطِيَ الدنيا وما فيها لم تُسَدَّ تلك الفاقةُ مِنه أبدا". [6]
وتأمَّلْ سَعادةَ إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن الذي كان (شاكرًا لأنعُمِه) وهو يُبَيِّنُ عَلاقتَه بربِّه وصِلَتَه الوثيقةَ باللهِ وحدَه: (فإنهم عَدوٌّ لي إلا ربَّ العالَمِين الذي خلَقَنِي فهو يَهدين والذي هو يُطعِمني ويَسقين وإذا مَرضتُ فهو يَشفِين والذين يُميتُنِي ثم يُحيِين) ؛ [7] فهو"يعيشُ بكيانِه كلِّه مع ربِّه، ويتطلعُ إليه في ثِقةٍ، ويتوجهُ إليه في حُبٍّ". [8]
وقد امتنَّ الله عز وجلَّ على الشاكرين بأنه قد أسعدَهم بنعمةِ الأمنِ والنصرِ والرزقِ، فقال جلَّ جلالُه: (واذكُرُوا إذْ أنتم قليلٌ مُستَضْعَفُون في الأرضِ تخافون أن يتَخَطَّفَكم الناسُ فآواكم وأيَّكم بنَصْرِه ورزقَكم من الطيِّباتِ لعلَّكم تشكرون) . [9]
فالشاكر يعيش في بحبوحة من السعادة وواحة من الرضا وفي نعيم دائم لا ينقطع؛ من تذكُّرِ آلاءِ الله الكثيرة ونعمائه الوفيرة؛فكلما تذكر منها نعمة ماضية أو وهبه الله نعمة حاضرة؛ شكر الله عليها وسأله دوامَها وبركتَها وحُسنَ الانتِفاع بها.
ولله درُّ ابن القيم؛ حيث أدرك عظمة هذه السعادة النفسية التي يتفيأ ظلالَها العبدُ الشاكرُ لربِّه المعترفُ بفضلِه؛ حيث ربط بين الشكر وبين الرضا، فقال رحمه الله:"منزلة الشكر من أعلى المنازل، وهي فوق منزلة الرضا وزيادة؛ فالرضا مندرجٌ في الشكر؛ إذ يستحيل وجود الشكر بدونه". [10]
وتدبَّرْ قولَ نبيِّ الله سليمان عليه السلام حين عَبَّر عن هذه السعادة النفسية خيرَ تعبيرٍ وقد أنعم الله عليه وجاءه بعرشِ بلقيس قبلَ أن يرتد إليه طَرفُه: (هذا من فضلِ ربِّي ليَبلُوَنِي أأشكُرُ أم أكفُر ومَن شَكَرَ فإنما يَشكُرُ لِنفسِه ومَن كفرَ فإنَّ ربِّي غنِيٌّ كريم) . [11] وقولَ الله عزَّ وجَلَّ: (ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكرْ لله وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفرَ فإنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ) . [12]