فهرس الكتاب

الصفحة 15797 من 27345

د. محمد فاضل السّامرائي

من المعروف في اللغة العربية أنه قد تكون للكلمة الواحدة أكثر من جمع، فتجمع مرة جمع مذكر ومرة أخرى جمع تكسير، نحو كلمة (نبي) التي تجمع على نبيين وأنبياء. وقد تجمع الكلمة جمع مؤنث سالمًا تارة، وتارة أخرى جمع تكسير نحو كلمة (سنبلة) التي تجمع على سنبلات وسنابل.

وقد جاءت هذه الصور من الجموع في القرآن الكريم، فنرى أن الكلمة الواحدة قد اختلفت في جموعها. فكلمة (خطيئة) ـ مثلًا ـ جمعت على خطيئات وخطايا، وكلمة (نبي) جمعت على أنبياء ونبيين... وهكذا.

فمن الآيات التي وردت فيها مفردات جمعت في موطن جمع مؤنث وفي موطن آخر جمع تكسير قوله تعالى مخبرًا عن بني إسرائيل: (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) [البقرة58] .

وقوله في موطن آخر مخبرًا عنهم أيضًا: ) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) [الأعراف161] .

على الرغم من أن الخطاب في الموطنين لبني إسرائيل قال في الآية الأولى: (خطاياكم) وفي الآية الثانية (خطيئاتكم) فما سبب هذا التخصيص؟

يقول النحاة إن الجمع السالم بنوعيه يفيد القلة ( أي: من الثلاثة إلى العشرة) وجمع التكسير يفيد الكثرة (أي: فوق العشرة) ومعنى هذا أن كلمة (خطيئة) جمعت في آية البقرة جمع تكسير الذي يفيد الكثرة، وفي آية الأعراف جمع مؤنث الذي يفيد القلة.

يرى العلماء أن سبب التخصيص هو أن آية البقرة جاءت في مقام تعداد النعم والآلاء على بني إسرائيل، فجاءت كلمة (خطايا) على جمع التكسير الذي يفيد الكثرة ليناسب ما قصد من تكثير الآلاء والنعم، بخلاف آية الأعراف فإنها لم تبنَ على تعداد النعم على بني إسرائيل كما بنيت عليه آية البقرة، فجاءت مجموعة جمع مؤنث الذي يفيد القلة.

ولتوضيح هذا الرأي أقول: إن آية البقرة جاءت في مقام تعداد النعم والآلاء على بني إسرائيل كما نرى ذلك في الآيات التي تكتنفها، قال تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ¯... وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ... ¯وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ¯ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ¯ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ¯ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ¯ ... وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ¯ ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ¯ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ...¯ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ¯ ... وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [البقرة47 ـ 60] .

نلاحظ أن آية البقرة في سياق تعداد النعم على بني إسرائيل وتكريمهم.فناسب هذا التكريم مجيء (خطايا) بصورة جمع التكسير ليبين لنا أن الله يغفر لهم خطاياهم مهما كثرت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت