فهرس الكتاب

الصفحة 15282 من 27345

الشيخ: فرج البوسيقي

قال صلى الله عليه وسلم: (( أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر ) ).

النفاق مرض خطير يمرض القلب ويقتله، ويفسد الدين ويهلكه، ولخطر النفاق والمنافقين على البلاد والعباد أنزلت سورة كاملة اسمها المنافقون، تبيّن عوارهم، وتهتك أستارهم. واهتمّ رسولنا صلى الله عليه وسلم بتفسير القرآن وتبيانه، فكان صلى الله عليه وسلم بين الفينة والأخرى يرسم للمجتمع النهج المستقيم، ويحذرهم من الاعوجاج في الدنيا والدين، وفي هذا الحديث بيّن رسولنا صلى الله عليه وسلم علامات وأعراض مرض النفاق.

(( أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا ) )، أربع من اجتمعت فيه كان كمن يظهر الإسلام ويبطن الكفر، ويجهر بالخير وهو يضمر الشر، (( إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر ) )، وإذا عاهد نقض عهوده ولم يوف بها، (( وإذا خاصم فجر ) )، وإذا خاصم غيره تجاوز الحد، فيؤذي خصمه بغير حق.

إن خيانة الأمانة خصلة من هذه الخصال، وهي تشمل كل مال مؤتمن عليه الإنسان فلم يؤده لأصحابه، ومن الأمانة أن تؤدّي عملك كاملًا، وإذا استودعك صديقك سرًا فليس من الأمانة أن تذيعه بين الناس، وليس من الأمانة إن كنت طبيبًا أن لا تخلص في علاج مريضك، فالموظّف والمنتج والبائع والمزارع والطبيب والمهندس وجميع الناس عليهم أداء حقّ العباد كاملًا بعيدًا عن الرشوة والتعذيب، حيث تعطل مصالح الناس بدون سبب، ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن الله يعذب الذين يعذبون الناس ) ).

فيا أيها المسؤول والموظف، ويا أيها الضابط والأمين، إن الله استرعاكم مصالح الناس، فلا تعطلوا مصالحهم ليلجؤوا إلى الرشاوى والتزوير، فتكونوا أنتم السبب، ويحل عليكم غضب الله وعذابه، إن الله يعذب الذين يعذبون الناس، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [الأنفال:27] .

يا أيها الذين آمنوا، لا تخونوا الله، لا تخونوا الله بتعطيل فرائضه وتعدّي حدوده وانتهاك محارمه. يا أيها الذين آمنوا، لا تخونوا الله والرسول، لا تخونوا الرسول بترك سنته والذهاب لغيرها من هوى وشهوة، وتخونوا أماناتكم، وتخونوا أولياء أموركم، ويخون بعضكم بعضًا في المعاملات المالية والاجتماعية والأدبية.

إن الرسول صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، ويتكلم باللفظ الذي يذهل العقول ويحيّر البلغاء والخطباء، فقوله صلى الله عليه وسلم: (( إذا اؤتمن خان ) )شمول وتوسيع كبير جدًا، ليشمل جميع أنواع الأمانة، كانت هذه الأمانة معنوية أو مادية.

إن عدم الأمانة هو الخيانة، والخيانة تدل على النفاق، فمن أراد أن يفتش عن طهارة قلبه من النفاق فلينظر إلى أمانته وعدمها، وصدق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (( لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له ) ).

إن العلاقات بين الأفراد والجماعات المبنية على الخيانة لعلاقات هشة زائلة، وكان صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الخيانة فيقول: (( اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة ) )، وبيّن صلى الله عليه وسلم أنه في آخر الزمان ترفع الأمانة، فحدث صلى الله عليه وسلم عن رفع الأمانة فقال: (( ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه ) ).

المنافق إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، فمجانبة الكذب مجانبة للنفاق، والكذب من أمراض اللسان، وهو نقل الأخبار على غير حقيقتها، من إشاعات وأحاديث ملفقة تفتك بالمجتمع وأفراده.

ومن أخطر أنواع الكذب ما استحل به دم امرئ مسلم أو عرضه أو ماله، والأشد من ذلك كله الكذب على الله ورسوله، ويكفي في عظم هذه الكبيرة أن سمى الله مرتكبها بالفسق: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6] ، ولقد حذر رسولنا صلى الله عليه وسلم من الكذب ورغّب في الصدق فقال: (( عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقًا. وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتى يكتب عند الله كذّابًا ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت