إن الكذاب عرّض نفسه للاحتقار والمهانة، وفقد جانبًا عظيمًا من مقومات إنسانيته، فلو كان شجاعًا لما أخفى الحقيقة، ولو كان أمينًا لما زوّر الأخبار، ولو كان عفيفًا لترفع عن الاختلاق والادعاء الباطل، فأي معاملة تصلح؟! بل أي حياة وصداقة وشركة وإخاء تصلح مع إنسان يبرئ المفسدين والمجرمين، ويتهم الأبرياء والصالحين، ويجعل من الظالم مظلومًا، ومن الحقيقة خيالًا، ومن الصدق بهتانًا؟! إن هذا الخطر العظيم هو الذي جعل الكذاب ينظم في صفوف المنافقين، (( وإذا حدث كذب ) ).
حسبُ الكذوبِ من البلية *** بعضُ ما يُحكى عليهِ
مهما سمعت بِكِذْبة *** من غيره نُسبت إليهِ
المنافق إذا عاهد غدر، إذا أعطى عهدًا نقضه وغدر، وإذا خاصم فجر، وإذا حدث بينه وبين خصمه خلاف يتجاوز حده في الانتصار لنفسه من خصمه، ولا يتورع عن استغلال الفرص لإيذاء خصمه، ويتمادى في الإيذاء، وينكر حقوق خصمه، ويستحل لنفسه ماله، ويستبيح عرضه، وهذا التمادي في الخصومة علامة ظاهرة من علامات النفاق.
إن سلوك المؤمن الحق جهة خصمه العدل أو الإحسان، (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) [الشورى:40] ، ولقد ربى الإسلام أتباعه على التسامح والعفو، وأن لا يتمادوا في الخصومة، فقال جل جلاله: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف:199] ، وقال: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا) [الفرقان:63] ، وقال: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) [القصص:55] .
إن الإسلام يحث على السمو بالنفس الإنسانية، فالمسلم الحق هو الذي يسمو بنفسه عن مواطن المهانة والذلة. إن الإسلام عمل وعبادة وحسن معاملة، معاملة خالية من الكذب والخيانة والغدر والفجور.
إن التدين الحقيقي هو أن تلتزم بالصدق في قولك وعملك ومواعيدك، وأن تكون أمينًا في عملك، صادقًا مخلصًا في نيتك، فإن لم تكن فيك هذه الخصال فلست متدينًا ولو تظاهرت بمظهر الإسلام في ألفاظك ولباسك.
إن الإسلام لم يكن فقط حركات يباشرها المصلي في محرابه أو همهمة تلوكها ألسن العاشقين والذاكرين، إنه مسرح للحياة، يظهر فيه المسلم حقيقة إسلامه وإيمانه في معاملته مع الآخرين؛ لتنطبع الصورة الصحيحة للإسلام بعيدًا عن الغلو والتنطع، وبعيدًا عن الإباحية والتهتك.
إن فشلك في معاملة الآخرين دليل منك عليك في عجزك عن إدراك حقيقة الإسلام، فالدين المعاملة، والإسلام يريد منك هداية تائه ضلّ به طريقه، أو معونة يائس انقطع به أمله، الإسلام يريد منك استجابة؛ لأنّة ثاكل منكوب، يشكو الفقر والحاجة، ويريد المساعدة والإعانة ومواساة البائس وتفريج كربة المكروبين.
وما انكمش الإسلام وتقلص إلا بعد أن ترك أبناؤه أوامره وتعاليمه، (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [البقرة:177] .