فهرس الكتاب

الصفحة 25727 من 27345

د. محمد عمر دولة*

يُكْثِرُ الصالِحُون مِن الدُّعاءِ المأثور الذي وَرَدَ ذِكْرُه في القرآن: (ربَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بعد إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لنا مِن لَدُنْك رَحْمَةً إنك أنتَ الوَهَّاب) .

وما ذاك إلا لِعِلْمِهم بشِدةِ حاجَتِهم إلى هِدايةِ قُلُوبِهم وتَثْبِيتِها على الإيمان، قال الطبري رحمه الله:" (لا تُزِغْ قُلُوبَنا) لا تُمِلْها فتصرفها عن هُداك (بعد إذْ هَدَيْتَنا) له؛ فوَفَّقتَنا للإيمانِ بِمُحْكَمِ كتابِك ومُتشابِهِه، (وَهَبْ لنا) يا ربَّنا (مِن لَدُنْك رحمةً) ... يعني بذلك: هَبْ لنا مِن عِندِك توفيقًا... (إنك أنتَ الوهاب) يعني: إنك أنت المعطي عبادَك التوفيقَ والسداد للثباتِ على دينِك وتصديقِ كتابِك ورُسُلِك". [1]

ومِن أجلِ تحصيلِ هذه النعمةِ الجليلةِ وإدراكِ عَظمَتِها؛ شَرَعَ الرحمنُ لِعِبادِه أن يَسْألُوا الله الهدايةَ في كلِّ صَلاة.. وفي كلِّ ركعةٍ.. مِن لَيلٍ أو نَهار! فما وَقَفَ العَبدُ بين يَدَيْ ربِّه خاشِعًا خاضِعًا إلا توجَّهَ إلى ربِّه داعيًا بقلبِه ولسانه: (اهدنا الصراطَ المستقيم) . قال ابنُ القيم رحمه الله:"يَتضَمَّنُ طلبَ الهدايةِ ممن هو قادِرٌ عليها وهي بيده؛ إن شاء أعْطاها عبدَه، وإنْ شاء مَنعَهَ إياها. والهدايةُ مَعرِفةُ الحقِّ والعَمَلُ به؛ فمَن لم يَجْعَلْه اللهُ تعالى عالِمًا بالحقِّ عامِلًا به؛ لم يكنْ له سَبِيلٌ إلى الاهتِداء؛ فهو سُبحانه المُنْفَرِدُ بالهدايةِ الموجِبةِ للاهتداء التي لا يتخلَّفُ عنها، وهي جَعْلُ العَبدِ مُريدًا لِلهُدَى مُحِبًا له مُؤثِرًا له عامِلًا به. فهذه الهدايةُ ليسَتْ إلى مَلَكٍ مُقَرَّبٍ ولا نبيٍّ مُرْسَلٍ، وهي التي قال سبحانه فيها: (إنك لا تهدي مَن أحببتَ ولكنَّ اللهَ يهدي من يشاء) ، مع قولِه تعالى: (وإنك لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُستقيم) . فهذه هِدايةُ الدعوةِ والتعليمِ والإرْشادِ. وهي التي هَدَى بها ثمودَ فاستحبُّوا العَمَى عليها، وهي التي قال الله تعالى فيها: (وما كان اللهُ ليضلَّ قومًا بعد إذْ هداهم حتى يُبَيِّنَ لهم ما يتقون) ؛ فهداهم هدى البيان الذي تقوم به حُجَّتُه عليهم، ومَنعَهم الهدايةَ الموجِبةَ للاهتداء التي لا يضلُّ من هداه اللهُ بها؛ فذلك عدلُه فيهم، وهذه حِكمتُه فأعطاهم ما تقوم به الحجةُ عليهم، ومنعَهم ما ليسوا له بأهلٍ ولا يليق بهم". [2]

فالقرآنُ يُقرِّرُ إذن حقيقةَ أنَّ أصلَ الهداية، وهي هدايةُ التوفيقِ ليست لأحدٍ إلا لله ربِّ العالِمِين، فالأنبياءُ يَهْدُون الناسَ هِدايةَ البيان؛ وأما هِدايةُ التوفِيقِ فلِلَّهِ وَحْدَه تبارك وتعالى، وقد قال الله عزَّ وجَلَّ: (إنك لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولكنَّ الله يَهْدِي مَن يشاء) .

وقد عَبَّرَ الله جَلَّ جَلالُه عن فِقْدانِ الهدايةِ بالعَمَى والصَّمَم؛ لعَدمِ الفائدةِ وانتفاءِ الإجابة، فقال عزَّ وجَلَّ: (إنك لا تُسْمِعُ الموتَى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوا مُدْبِرِين وما أنتَ بِهادي العُمْيِ عن ضَلالَتِهم إن تُسْمِع إلا مَن يؤمِنُ بآياتِنا فهم مُسلِمُون) . وقال سبحانه: (أفأنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أو تَهْدِي العُمْيَ ومَن كان في ضَلالٍ مُبِين) . وقال تبارك وتعالى: (ومِنهم مَن يَستمِعُون إليك أفأنتَ تُسمِعُ الصُّمَّ ولو كانوا لا يَعْقِلُون) ؟! قال الطبري رحمه الله:"هذا إعْلامٌ مِن الله عِبادَه أنَّ التوفِيقَ للإيمانِ به بيدِه، لا إلى أحدٍ سِواه".

فالمحرومُ من الهداية؛ قد أعْرَضَ عنها وامتنعَ عن إجابةِ دَاعِيها، واستَحَبَّ العَمَى على الهدى؛ فلِذلك استحَقَّ الطَّرْدَ مِن رحمةِ الله، كما قال تعالى: (أولئك الذين لَعَنَهم الله فأصَمَّهم وأعْمَى أبصارَهم) . وذلك هو الخسرانُ المبِينُ، كما قال جلَّ جَلالُه: (أولئك الذين اشتَرَوْا الضَّلالةَ بالهدى فما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانوا مُهتَدِين) .

وقد جاء صريحُ القرآنِ مُقَرِّرًا أنه (مَن يَهْدِ الله فهو المهتَد) ، أي:"مَن يُوفِّقُه الله للاهتداء بآياته وحُجَجِه إلى الحقِّ التي جعلها أدلة عليه... فهو الذي قد أصابَ سَبيلَ الحقِّ... ومَن أضَلَّه الله عن آياتِه وأدلتِه فلم يُوَفِّقْه للاستدلالِ بها على سبيلِ الرشادِ؛ (فلن تجدَ له وَلِياًّ مُرشِدا) ... خليلا وحَلِيفًا يُرْشِدُه لإصابَتِها؛ لأنَّ التوفِيقَ والخذلانَ بِيَدِ الله يُوَفِّقُ مَن يشاء مِن عِبادِه ويَخذلُ مَن أراد". [3]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت