فهرس الكتاب

الصفحة 23895 من 27345

د. بسطامي محمد خير*

مدخل:

المنهج الوسط هو سمة هذه الأمة المسلمة ، وهو منهج الطائفة القائمة بالحق الظاهرة عليه . ولهذا المنهج الوسط المعتدل في العلم والعمل والدعوة مقومات خاصة وخصائص مميزة. ويحاول هذا البحث أن يستقريء معالم هذا المنهج في العلم والعمل والدعوة ، ويبين أثره في ائتلاف الصف الإسلامي .

ومن أبرز هذه المعالم:

الإعتصام بأصول اليدن وكلياته التي تلقتها ألأمة بالقبول

وإرجاع الأمور العلمية والعملية إلى مصادرها وأهل العلم والخبرة بها

والجمع بين السلفية والمعاصرة

والشمول في أخذ الدين كله دون تجزئة بعضه عن بعض

والبصر والفقه بالأولويات والتقديم والتأخير

ومعرفة مواطن الرفق والتيسير دون تقصير أو تحريف ومواضع الشدة والحزم دون تنطع أو غلو

والصدع بالرأي بعد التحقق من صحته دون محاباة أو خشية

والقوة والقدرة على تغيير الواقع بأفضل السبل دون تعد على الحقوق أو ركون إلى الظلم

والحوار بالحسنى مع الولاء للحق والتحرر من التعصب للأشخاص والمذاهب والطوائف

والعدل والإنصاف في الحكم على الناس عوامهم وعلمائهم وحكامهم وإنزالهم منزلتهم مؤيدين أو مخالفين

وللاعتصام بالوسط في حياة المسلمين آثار متعددة منها:

استقامتهم على الحق

وجمع كلمتهم ولم شتاتهم والتقريب بين طوائفهم وفرقهم

وتوجيه همتهم إلى الهموم الكبرى والمشكلات العظمى

وتقديم صورة مشرقة ونماذج حسنة للإسلام ترغب في الخير وتحض عليه وتشهد به على العالم كله أنه هو الحق والعدل والخير.

مقدمة

الوسط من أهم سمات الأمة المسلمة ومن خصائصها الأساسية ، التى أثبتها الله عز وجل لها وعرّفها وميّزها بها ، حين قال: (وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [1] . وهذه الآية هى الأصل في تحديد مفهوم الوسط ، ومنها انبثقت مقوماته . وقد اصطبغت بخاصية الوسط التى وجه إليها القرآن القرون الماضية والأجيال المتقدمة من المسلمين ، فكانوا بذلك خير أنموذج للحضارة والتمدن ، وخير قادة وأئمة للبشرية علميا وعمليا . ثم تغيرت الحال وتبدلت وضعفت صبغة الوسط بين المسلمين أفرادا وجماعات، وضاعت ملامحها في عصرنا الحاضر ، بل غاب مفهومها عن كثير من الناس حتى صارت توصف بها جماعات هم أحق بأضدادها . ثم تعقدت المشكلة حين تأثر المسلمون بمفاهيم الغرب للوسط ، وشاعت بينهم مسمياتها ، فصارت الأمور مختلطة مختلة مضطربة .

ولما كان مصطلح الوسط بمعناه الإسلامي مفهوم جامع شامل لأصول وقواعد كثيرة ، وهويحدد وظيفة المسلمين العظيمة في هذا العالم ودورهم الكبير في هذه المعمورة ومكانتهم الرئيسية بين البشر ، وينيط بهم مهمة القيام بالشهادة على الناس بالحق والعدل ، يحاول هذا البحث المختصر أن يبين معنى الوسط هذا، ويستقرئ سماته ومعاييره ، ويسعى لتقرير قواعده ومبادئه ، ويستلهم آثاره المتعددة الحميدة لمن اعتصم بها ، خاصة في مجال الاستقامة على الحق وائتلاف الصف وجمع الكلمة ، والتقريب بين جماعات الأمة وتياراتها ومدارسها ، في الفكر والدعوة والعمل .

ونسأل الله السداد والصواب وبه نستعين وعليه نتوكل .

معنى الوسط

للوسط معان متقاربة دلت عليها شواهد كثيرة ، وبالنظر فيما ورد عنها والتأمل في استعمالاتها يتضح أن المصطلح يعود إلى ثلاثة معان أساسية متقاربة .

الأول أن كلمة وسَط بفتح السين تجيئ اسما لما يكون جزءا من شئ بين طرفين له . تقول مثلا قَبَضْت وسَط الحبْل وكسرت وسَط الرمح وجلست وسَط الدار . ولاحظ ابن منظور في لسان العرب أن وسَط جاءت على نفس وزن نقيضها طرَف ، كما ورد ذلك في كثير من الكلمات الأخرى نحو جَوْعانَ وشَبْعان وطويل وقصير [2] . وأما كلمة وسْط بسكون السين فهي تختلف عن وسَط بالفتح في أمرين ، الأول أنها ظرف بمعنى بيْن وليست اسما ، قال الشاعر:

والثاني: أن وسَط بالفتح يكون بعضا من الشئ المضاف إليه ، تقول مثلا وسَطُ رأْسِه صُلْبٌ لأَن وسَطَ الرأْس جزء منها . أما وسْط بالسكون فلا تكون جزءا مما تضاف إليه مثل قولك وسْطَ رأْسِه دُهن ، لأن الدهن ليس من الرأس . [3]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت