فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فالمعنى الأصلى لكلمة وسَط بالفتح يدل على كون الشئ نصفا بين طرفين ، سواء كان ذلك في الحسيات من جهات ومقادير وغيرها أو كان في المعاني . ومن الأحاديث التى استعمل فيها هذا المعنى بوضوح ما رواه الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (الْبَرَكَةُ تَنْزِلُ وَسَطَ الطَّعَامِ فَكُلُوا مِنْ حَافَتَيْهِ وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ) [4] ، فجعل للطعام وسطا وهو ما كان نصفا بين جوانبه . ومن استعمال الكلمة ومشتقاتها في هذا المعنى قول الله تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) [5] ، يعنى بأوسط ما كان بين الرفيع والدنئ في نوع الطعام اوفي كثرته وقلته . فقد ذكر القرطبي أن معنى أوسط هنا"منزلة بين منزلتين ونصفًا بين طَرفين ، وروى عن ابن عباس قال: كان الرجل يَقُوت أهله قُوتًا فيه سَعة وكان الرجل يَقُوت أهله قُوتًا فيه شدَّة؛ فنزلت: ( مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ) . قال القرطبي: وهذا يدل على أن الوسط ما ذكرناه وهو ما كان بين شيئين. [6] ولهذا جاء في الصحاح في اللغة للجوهري أنه يقال شيءٌ وَسَطٌ، أي بين الجيِّد والرديء."
وبهذا المعنى الأصلى فسر قول الله تعالى (وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) . قال الطبرى: وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلوّ فيه ، ولا هم أهل تقصير فيه ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحبّ الأمور إلى الله أوسطها. [7] ووافق كثير من المفسرين الطبري فيما رجحه في معنى الآية ، منهم القرطبي الذي قال:"ولما كان الوسط مجانِبًا للغلوّ والتقصير كان محمودًا؛ أي هذه الأمة لم تَغْل غُلوّ النصارى في أنبيائهم، ولا قَصّروا تقصير اليهود في أنبيائهم." [8] وقال الرازي أيضا:": يجوز أن يكونوا وسطًا على معنى أنهم متوسطون في الدين بين المفرِط والمفرِّط والغالي والمقصر في الأشياء لأنهم لم يغلوا كما غلت النصارى فجعلوا ابنًا وإلهًا ولا قصروا كتقصير اليهود في قتل الأنبياء وتبديل الكتب وغير ذلك مما قصروا فيه." [9]
والمقصود أن معنى وسّط الذي جاء في صفة الأمة المسلمة هو القصد والتوازن ، والبينية والبعد عن طرفي الإفراط والتفريط أو الغلو والتقصير أو التشدد والتساهل .
الثاني: من معانى الوسط قريب الصلة بمعناه الأصلى ، وهو أن الكلمة أصبحت تدل على الأحسن والأفضل ، لأن وسَط الشئ غالبا أحسن مكان فيه ، مثال ذلك أن وسَط الوادي خير مكان فيه وأكثره كلأ ومرعى ، ووسَط الدابة للركوب خير من أطرافها لتمكن الراكب فيه [10] . وفي الصحاح: واسِطةُ القلادة الجَوْهَرُ الذي هو في وَسطِها وهو أَجودها [11] . وقال أبن عاشور في تفسيره: صار معنى النّفاسة والعزّة والخيار من لوازم معنى الوسط عرفًا، فأطلقوه على الخيار النفيس كناية [12] .
وجاء في حديث مرسل (خيرَ الأمُور أوْساطِها) [13] ، ومن تعليقات ابن الأثير على هذا الحديث قوله:"كُلَّ خُصْلة مَحْمُودة فَلَها طَرَفان مَذْمُومَان ، فإن السَّخَاء وَسَط بين البُخْل والتَّبْذِير، والشَّجَاعة وسَط بين الجُبْن والتَّهَور. والإنسان مَأمُور أن يَتَجَنَّب كلَّ وَصْف مَذموم ، وتجنبه بالتَّعَري منه والبعد عنه ، فكلما ازداد منه بعدًا ازداد منه تَعَرِّيًا ، وأبْعد الجِهات والمقادِير والمَعَاني من كل طرفين وسَطَهُما ، وهو غَايَة البُعد عنهما ، فإذا كان في الوَسَط فقد بَعُد عن الأطراف المَذْمُومة بقدر الإمكان." [14]
ومن استعمالات القرآن لهذا المعنى للوسط قول الله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) [15] ، والوسطى مؤنث الأوسط ، وسُمِّيت الصلاة الوسطى لأنها أفْضَل الصلاة وأعْظَمها أجرًا ولذلك خُصَّت بالمُحافَظَة عليها ، وإن اختلف في تعيينها ومعنى توسطها ، ففى رأي أنها وَسَط بَين صلاتَي اللَّيْل وصَلاتَي النَّهار ولذلك قيل هي العَصْر وقيل الصُبْح ، وقيل وسط النهار وهي الظهر ، وقيل وسط بين الطول والقصر وهى المغرب. [16]
وأخذ بهذه الخيرية في معنى الوسط جمع من العلماء في تفسير قول الله تعالى: (وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) ، واختاره ابن كثير فقال: والوسط هاهنا الخيار والأجود ، كما يقال قريش أوسط العرب نسبا ودارا أي خيرها ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطا في قومه أي أشرفهم نسبا ، ومنه الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات [17] . واستدل الرازي لمن قال أن هذا القول أولى في تفسير الوسط بأنه موافق لوصف الأمة بالخيرية [18] في قول الله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [19] .