فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
تأسيسات إسلاميّة للفعل الحضاري (1 ـ 3)
أ. د. عماد الدين خليل 3/8/1427
لم تنشأ الحضارة الإسلامية من الفراغ، وإنما تخلقت عبر شبكة من التأسيسات القرآنية والنبوية .. ثم ما لبثت أن أخذت تتنامى حتى بلغت هذا الذي بلغته.
ولن تتسع مقالات كهذه للاستفاضة في هذه التأسيسات ولذا سيتم الوقوف عندها بقدر كبير من الإيجاز.
1 ـ المعرفة هي حجر الزاوية:
إن الكلمة الأولى التي تنزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غار حراء لم تكن نفيًا أو سلبًا، لم تقل: لا تقتل، لا تسرق، لا تزن ... الخ، وإنما كانت تأكيدًا وإيجابًا وأمرًا بفعل معرفي هو القراءة: ( اقرأ بإسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * أقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم) [القلم:1 ـ 5] القراءة والعلم والقلم، تلك هي المفردات التي تضمنتها الآيات الأولى في السورة الأولى من التنزيل، والتي وضعت المسلم في قلب العالم، وليس بعيدًا عنه أو منفيًا منه.
ليس هذا فحسب، بل إن الدلالة المعرفية تمتد إلى عمق زمني أبعد، إلى لحظة خلق آدم عليه السلام الذي علّم الأسماء كلها ومنح ذريته من بعده، الاستعداد العقلي والجسدي لممارسة دورهم العمراني في العالم: (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم * قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون؟)
[البقرة: 31 ـ 33] .
2 ـ النزوع إلى الأمام:
تضمّن القرآن الكريم دعوة واضحة مؤكدة إلى أن ننظر إلى الأمام، وألاّ نلتفت إلى الوراء. إن هذا الالتفات له ضرورات محددة في حالة التلقي عن الآباء والأجداد معطيات تشريعية أو تراثًا معرفيًا، قد تستهدي به الأمم لتبين مواقع الخطأ والصواب، أما أن يكون عملًا لا وعيًا يقوم على التقليد الأعمى فسيجعلنا في حالة تعارض مع ما يريده القرآن الذي نعى على المشركين والمتخلفين أنهم كانوا يتشبثون بما فعله الآباء والأجداد بغض النظر عن مدى سلامة هذا الفعل ومنطقيته: (قالوا: أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا ؟) [يونس: 78] .
(إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون) . [الزخرف: 22] .
وهي هداية معكوسة يرفضها الإسلام أشد الرفض.
إن توينبي، المؤرخ البريطاني المعروف، يشير إلى نمطين من التعامل مع معطيات
الآباء، نمط التقليد الأعمى في مرحلة السقوط الحضاري، ونمط الاقتداء بالنخبة المبدعة وخبراتها الحيوية في مرحلة النهوض الحضاري، والقرآن الكريم يرفض الأولى؛ لأنها تقود إلى التخلف والسكون.
إن القرآن الكريم يضعنا ـ في مساحات واسعة منه ـ في قلب التاريخ بحثًا عن المغزى .. عن صيغ العمل في الحاضر والمستقبل (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) [يوسف:111] .
ولكنه في الوقت نفسه يحررنا من التاريخ لكي نتمحض للحاضر، ونتحرك صوب المستقبل دون أن تعيقنا وتثقل كواهلنا أعمال الأجيال الماضية: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) [البقرة: 134] .
3 ـ التحذير من هدر الطاقة:
طالما أكدت المعطيات القرآنية والنبوية على رفضها لهدر الطاقة التي تعمل أحيانًا في
غير مجالاتها المرسومة. إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول:"تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله".
إنه ـ ها هنا ـ يدعونا للتفكير في الخلق الذي يقود إلى العلم والتكنولوجيا، بموازاة تأكيد إبداعية الله في العالم، والإيمان بوحدانيته سبحانه، ويحذرنا من التفكير في الذات الإلهية التي تعلو على الإفهام، وتستعصي على القدرات البشرية، وهو التفكير الذي يقود إلى الماورائيات والتعامل التجريدي مع"واجب الوجود"و"متناهي الأول"والميتافيزيقا، وما يتمخّض عن هذا كله من هدر للطاقة العقلية.
إنه يريدنا أن نتعامل مع الكتلة الكونية، وأن نكشف عن قوانينها لتنمية الحياة التي سخرت إمكاناتها للإنسان من أجل التحقق باستخلافه العمراني في العالم، بدلًا من هدر الطاقة فيما هو خارج عن حدودها وإمكاناتها وضرورات صيرورتها الحضارية في الأرض.
4 ـ مبدأ الاستخلاف:
لقد استخلف الله سبحانه الإنسان في هذا العالم، وأناط به مهمة تطويره وإعماره، وتذليل صعابه، والاستجابة لتحدياته من أجل تسوية أرضيته كي تكون أكثر ملاءمة لحياة مطمئنة تعلو على الضرورات، بعد أن تتحرر منها، وتكون أكثر قدرة على التوجه إلى السماء، إلى خالقها جل وعلا، دون أن يحني ظهورها ثقل الجاذبية وضرورات المادة الصلبة.