فهرس الكتاب

الصفحة 26494 من 27345

وقفة مع الأحداث الأخيرة في فلسطين

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

نمرُّ اليوم بلحظات حرجة من تاريخ المسلمين بعامة وتاريخ قضيّة فلسطين بخاصّة ، لحظات تحمل معها أحداثاً متسارعة متتالية ، لا يكاد الإنسان يقوى على متابعتها ، ولا على تلمّس الرابطة بينها والهدف الذي تسير إليه .

ابتدأت الأحداث بالمفاوضات بين السلطة الفلسطينية واليهود في كامب ديفد في الولايات المتحدة تحت إشراف أمريكي . ويبدو أن موضوع المفاوضات كان القدسَ وعودةَ اللاجئين وأموراً أخرى . ثمّ توقّفت المفاوضات لعدم التوصل إلى اتفاق كما أُعلن ، وبقيت هناك تساؤلات كثيرة حول أجواء المفاوضات وما داربالسر بين الأروقة. وترددت وسائل الاعلام بين الإشارة إلى إمكان العودة وبين الإشارة إلى عدم العودة إلى المفاوضات .

وتوالت تصريحات اليهود مدوّية تحمل التحدّي والاستهتار بالمسلمين . فيقول باراك في تصريح له يفيد بأنه إذا لم تحقّق المفاوضات ما يريدون فإن المجابهة والسلاح والحرب تحقّق لهم ذلك . وآخر يصرّح ويقول ما يفيد بأنهم جاؤوا إلى فلسطين ليقيموا الهيكل على جبل الهيكل . ويصرّح"نتنياهو"بما يفيد بأن خلافهم مع الفلسطينيين ليس خلافاً حول"حدود"، ولكن القضيّة قضيّة"وجود". وتصريحات كثيرة تحمل الكبْر والتحدّي والاعتزاز بالقوة المتوافرة لديهم .

وكان موقف المسلمين في الأرض ، المسلمين الذين يتجاوز عددهم المليار أقرب إلى الغياب منه إلى الحضور ، وأقرب إلى الضعف منه إلى القوة .

وتصاعدت الأحداث حين أعلن"أريبيل شارون"رئيس حزب"الليكود"اليهودي عن عزمه على دخول المسجد الأقصى ، بلهجة تشعر بالتحدّي والإصرار . ثمّ تخرج تصريحات من الجانب الفلسطينيّ تتحدَّى وتقول إِن هذا يُعتبَرُ استفزازاً ولن يَمُرّ بالسكوت .

ودخل شارون المسجد الأقصى مع مرافقيه يوم الخميس الأول من رجب سنة 1421هـ الموافق 28/9/2000م ، واستدعت حكومة"باراك"ألفين من جنود اليهود أو أكثر ، ودفعتهم إلى القدس لحماية شارون ، كما يَدَّعون ، ومقاومة أيّ ردود فعل تظهر للزيارة . ووقع الاصطدام بين الفلسطينيين العزّل وبين القوات اليهوديّة المدججة بالسلاح . وسقط القتلى والجرحى . وأخذت الأحداث تتصاعد ، وامتدّت إلى معظم أنحاء فلسطين: قطاع غزة والضفة الغربيّة , والأرض المحتلة سنة 1948م . وقامت المظاهرات في معظم أنحاء العالم العربيّ ، وقد بلغ عدد المتظاهرين في بعض الأقطار أكثر من مليون إنسان .

وبدأ اليهود يستخدمون أسلحة أشدّ فتكاً ابتداءً من يوم الأحد 4رجب 1421هـ الموافق 1/10/2000م, بدؤوا يستخدمون الطائرات المروحيّة وصواريخ"لاو"، ويهدمون المنازل ومراكز السلطة الفلسطينية ، ويرمون القرى والمدن والسكان المدنيين بصورة وحشيّة إجرامية . وتصاعدت الأحداث بصورة سريعة ، وازداد عدد القتلى والجرحى ، وتوالت صور المآسي والفواجع ، وصور الإجرام اليهودي ووحشيّته . وتحدّث الإِعلام العربيُّ الإِسلامي والدوليّ عن ذلك ، وشَدَّ الجميعَ الصورةُ الوحشيّةُ التي صُرِعَ فيها الطفل محمد جمال الدرّة ، وهو يسير مع أبيه جمال الدرّة قرب مستوطنة"نتساريم"جنوب غزة ، وذلك يوم السبت 3 رجب 1421هـ الموافق 30/9/2000م ، حين انهال عليهما الرصاص كالمطر ، فاحتميا بزاوية ، واستغاث الأب بكلّ قواه ، بصراخه ، وبيده ، دون جدوى ، وازداد انهمال وابل الرصاص بصورة متعمّدة عليهما ، فقُتل الطفل ، وسقط في حضن أبيه ، وأصيب الأب في بطنه وساقه بعدة رصاصات جعلته فاقد القدرة ، مستلقياً على الجدار خلفه ، عاجزاً عن الحركة.

التقط المصور الفلسطيني طلال أبو رحمة،الذي يعمل مع وكالة الأنباء الفرنسية في غزة،عدة صورلمشهد الأب وابنه الطفل ،ومصرع الطفل.وكانت الصور مؤلمة وهي تعرض هذا المشهد المروع.

وتناقلت وسائل الإعلام كلها العربيّة والدوليَّة هذه الصور والحادث ، وأثار ضجّة عالميّة واسعة . وبدأ الأطفال يتساقطون برصاص اليهود ، وكذلك الفتيان والشباب والرجال والشيوخ .

ضجّت الدنيا لهذه الأحداث المفجعة ، وتداعى العرب إلى مؤتمر القمة على خلافات وتردُّد كشفت عنه الصحف . ودعت مصر إِلى مؤتمر"شرم الشيخ"الذي انعقد يوم الاثنين 19رجب 1421هـ الموافق 16/10/2000م لمدة يومين ، جمع السلطة الفلسطينيةواليهود وأمريكا وبعض الدول العربيّة في محاولة لاستعادة عملية"السلام"! وتلا ذلك مؤتمر القمة العربي غير العادي الطارئ ، الذي عُقِِد في القاهرة يومي السبت والأحد (24و25) 1421هـ ، الموافقين: (21و22) تشرين الأول 2000م .

كانت رغبة العرب الملحّة هي الدعوة إلى السلام . وكانت رغبة اليهود التحدّي والاستكبار وقبول السَّلام الذي ينزل عند رغباتهم وأطماعهم .

ولا بدَّ من وقفة مع هذه الأحداث ، وقفة إيمانيّة ، تنبع من منهاج الله - قرآناً وسنة ولغة عربيّة - ، وتردُّ الأمور إليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت