لا بدّ أَن نُقِرّ أولاً أَنَّ كلَّ شيء لا يتمّ إِلا بقضاء الله وقدره ، وأنَّ قضاء الله حقٌّ لا ظلم معه أبداً . فما نجده اليوم من هزائم وهوان هو بما كسبت أيدينا . فعلينا - نحن المسلمين - أن ننظر في أنفسنا ، ونبحث عن عيوبنا وأخطائنا على أساس من مِيزان منهاج الله ، دون أن ننحرف مع الهوى .
إنَّ هذه دعوة واضحة أمرنا الله بها ، وإننا نوجهها إلى أنفسنا وإلى كل مسلم ، وإلى كل جماعة أو حركة إسلامية ، وإِلى المسلمين بعامة . لا بد من هذه الوقفة الإيمانية ، ومحاسَبة النفس ، ومعرفة الأَخطاء والزلل والانحراف ، ومن ثمّ معالجته معالجة إِيمانيّة . إن محاولة تغطية العيوب والأمراض بالمحاولات أو الغرور أو الكبر ، سيزيد من الهزائم والهوان في الدنيا ومن عذاب الله في الآخرة !
وإِنَّ خطورة الأمر لا تقف عند حدود قضيّة فلسطين . إنها تمتد إِلى سائر قضايا المسلمين اليوم ، وما فيها من هزائم وهوان . وإنَّها تمتدّ إلى أخطر من ذلك كله ، إِلى يوم الحساب ، إِلى الدار الآخرة ، إِلى يوم الحقِّ ، حيث لا يُغني مولىً عن مولى شيئاً ، ولا ينفع مال ولا بنون ، ولا أرحام ولا جاه ولا سلطان ، فالأمر كله يومئذ لله .
إن مما يجب أن نلاحظه،هي أن شارون لم يكن منفرداً بالرأي ولابالموقف،وإنماكان الأمر مرتباًومدبراًمن الحكومةاليهودية كلها،وممن يقف معها سراً أو علناً.ولا أدلّ على ذلك من أن باراك دفع بألفي جندي حماية لشارون أو زيادة في الاستفزاز.
ولم يكن شارون أول من يدخل المسجد الأقصى من اليهود.فقد سبق أن دخلت فتيات غير محتشمات, ودخل رجال ونساء من اليهود وآخرون. ولكن لم يكن يحدث ضجيج واصطدام مع كل زيارة. فهل أعددنا الخطة والنهج للتصدي والاصطدام ؟
وإن أول ما يتكشّف لنا من خلال الوقفة الإِيمانيّة أننا رفعنا شعاراً يقول إن فلسطين أرض مسلمة وإِن قضيتها إسلامية ، وأنها مسؤوليّة الأمة المسلمة كلها . رفعنا ذلك شعاراً فحسب ، لكن الميدان شهد أنّ القضيّة كانت وطنيّة إِقليميّة قوميّة ، وأنها لم تأخذ الصورة الإسلاميّة كما يُرِيدها الله ، وأَنّ الأمّة المسلمة كانت غائبة عن الميدان إلا من حيث العواطف ، وأنها أصبحت قضيّة الفلسطينيين يمدّهم العرب بالمال والإعلام والعاطفة ، والمسلمون بعامة يقدّمون العاطفة . إنَّ الإِسلام يقضي بأن القضية قضيّة كلّ مسلم ، قضيّة الأمة المسلمة كلها: شعاراً ونهجاً وميداناً وجهاداً .
وينكشف لنا كذلك أنه لم يكن هنالك خُطَّة ولا نهج لدى العاملين ، خطة تحمل الهدف والطريق الذي يوصل إلى الهدف ، والوسائل والأساليب ، والإعداد المبكر المتنامي . وكان العدو يتحرّك على أساس من نهج وخطة متكاملة تنظر إلى الأفق البعيد وتحمل الأطماع الممتدّة . ولم يسأل أحد عن الخطة والنهج ، وقبل الناس الشعاراتِ والعواطف وحدها ، حتى إذا مرّت السنون تبيّن أن الشعار والهدف في ناحية والمسيرة في ناحية أُخرى ، في صورة مفجعة كشفت عنها الهزائم المتتالية .
وإننا نؤمن أنه إذا التقى فريقان: فريق له نهجه وخُطَّته ووضوح أهدافه وطريق الوصول إليها ، وفريق ليس له نهج ولا خُطة إلا الشعارات ، فإنّ الفريق الأول يستطيع أن يحوّل جُهود الفريق الثاني لصالحه ، فلا يجد الفريق الثاني إلا الهزيمة والخسران . إنها سنّة من سنن الله أن العمل يحتاج إلى خُطّة واعية ونهج متكامل واع .
وتكشف لنا الوقفة الإيمانيّة أن صفّ الأعداء ، مهما اختلفوا على الغنائم أو اختلفوا في الاجتهاد ، فهم صفٌّ واحد متراصٌّ يتنافسون في البذل من أجل تحقيق أطماعهم وأهدافهم الإجرامية ، تجمعهم العَلمانيّة والإِجرام والإِفساد في الأرض والأطماع المتزايدة الممتدَّة . وأمَّا المسلمون الذين يُفْتَرضُ أنَّهم مسؤولون عن فِلسطين حسب دين الله وشرعه ، وأنهم محاسَبون على ذلك بين يدي الله ، فإنهم ممزّقون أقطاراً وشيعاً وأحزاباً ، كلّ حزب بما لديهم فرحون .
وتكشف لنا الوقفة الإيمانيّة أيضاً أَنَّ الفلسطينيين وحدَهم غيرُ قادرين على مجابهة دولة اليهود وما تملك من سلاح الدمار الشامل ، وما تملك من الدعم غير المحدود من الدول الغربيّة والشرقيّة بعامّة ومن أمريكا بخاصّة . وأن مثل هذه المجابهة محسومة النتائج حسب سنن الله الثابتة في الحياة الدنيا .
وتكشف لنا الوقفة الإِيمانيّة أن هنالك خللاً في واقع المسلمين لم تُبْذل الجهود لمعالجته ، وأن اول مظاهر الخَلل هو ضعف الإِيمان والتوحيد ، وعدم بلوغه المستوى الذي تتطلبه المعركة ويحتاجه الميدان ، وأنّ حبَّ الدنيا وكراهية الموت في سبيل الله غلبتْ على الكثيرين ، وأن الجهل بالكتاب والسنّة أوسع انتشاراً وأنَّ جهل الواقع أَعمّ ، وعدم ردّه إلى منهاج الله غلب وامتدّ ، وأنّ الأهواء ثارت والشعارات طارتْ والعواطف هاجت ، في صورة متضاربة متصارعة أَكلت كثيراً من الجهود .