فهرس الكتاب

الصفحة 1433 من 27345

أصول مهمة في باب الإيمان ...

باب الإيمان ومسائله من أهم أبواب علم العقيدة، وهو من أوائل القضايا التي حصل فيها خلاف الأمة في الصدر الأول، فأول افتراق حصل هو ظهور رأي الخوارج الذي خالفوا فيه أهل السنة في باب الإيمان. وقد اعتنى سلفنا الصالح بهذا الباب عناية كبيرة، وأفردوا له مصنفات عديدة ما بين مختصرة ومطولة، وكذلك عقدوا له أبوابًا مستقلة في مصنفاتهم وجوامعهم الحديثية، وكان مما ميز كتبهم وعرضهم لقضايا ومسائل الإيمان عنايتهم بذكر أصول المسائل والأصول التي بنى عليها المخالفون لهم في هذا الباب، فنقضوها وفندوا الشبه التي بنوا عليها تلك الأصول، فانهدمت كل المسائل المتفرعة عنها. وسوف نشير لبعض تلك الأصول المهمة في باب الإيمان، وغالب المسائل مبنية عليها.

وقبل الدخول في عرض هذه الأصول لا بد أن نشير ولو إشارة مختصرة إلى أهمية العناية بالأصول في هذا الباب، ويمكن أن نجملها فيما يلي:

1 -إن معرفة أصول المسائل تسهل معرفة ما يتفرع عنها من مسائل، وتوضح وجه الخلاف بين أهل السنة وأهل البدع؛ لأن الغالب أن الخلاف بين أهل السنة وأهل البدع هو في أصول المسائل، وعليها جرى الخلاف في الفروع؛ فمن رام تقرير مذهب أهل السنة بوضوح وجلاء فعليه بالعناية بالأصول.

2 -إن هدم الأصل الذي تقوم عليه البدعة يكفي في الرد عليها وبيان بطلانها. وعدم العناية بالأصول يجعلنا نقف مع كل بدعة تظهر وكل ما يتفرع عنها، وقد يطول البحث بالإنسان ولا يجد ما يشفي العليل ويروي الغليل.

3 -إن المتقدمين من أهل البدع والمتأخرين يوجد بينهم اشتراك واضح في مخالفة أصول أهل السنة المجمع والمتفق عليها، وغالبًا ما يكون الاختلاف بينهم شكليًا ولفظيًا كل على ما يناسب العصر الذي عاش فيه، ولكن لا اختلاف بينهم في الأصول.

ومن أبرز من أشار إلى هذه القضية شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - مبينًا أن متأخري المتكلمين كأبي المعالي الجويني وغيره تأثروا بأصول أهل البدع السابقين؛ حيث قال: «إن أبا المعالي وأمثاله يضعون كتب الكلام التي تلقوا أصوله عن المعتزلة والمتفلسفة، ويبوبون أبوابًا ما أنزل الله بها من سلطان، ويتكلمون فيها بما يخالف الشرع والعقل.... والأصول التي يقررها هي أصول جهم بن صفوان في الصفات والقدر والإرجاء.. » ا. هـ (1) ، ويقول أيضًا مبينًا أن أصول الرازي هي أصول جهم كذلك: «فقول جهم هو قول هؤلاء، كما قال - تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [البقرة: 118] ... » أ. هـ (1) .

وقال في موضع آخر: «وهذه الحجج من حجج الجهمية قديمًا كما ذكر دلك الأئمة... » (2) .

وأصول البدع مستمرة إلى وقتنا الحاضر، ولكن تغيرت مسمياتها؛ فالمعتزلة في العصر الحاضر أصولهم هي أصول أسلافهم ويسمون أنفسهم (عقلانيين وعصرانيين) ، والمعطلة في الوقت الحاضر أصولهم أصول أسلافهم ويسمون أنفسهم بالـ (متنورين) ، والزنادقة المعاصرون يسمون أنفسهم: حداثيين تجديديين، ولكل قوم وارث، وبمعرفة أصول البدع يتعرف طالب العلم على امتدادها المعاصر، ولا تخدعه هذه المسميات.

4 -إن هذه الطريقة ـ وهي معرفة أصول المسائل وأصول البدع والحرص على نقضها ـ هي طريقة السلف المتقدمين الراسخين في العلم الذين أخذوها من القرآن والسنة ومن أفواه الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى عصرهم؛ بل إن طريقة القرآن هي التركيز على تقرير الأصول الشرعية التي تبنى عليها كل الطاعات، ونقض الأصول التي تبنى عليها الانحرافات في الاعتقاد والعمل؛ فعلى سبيل المثال من أبرز هذه الأصول التي أشار إليها القرآن وأشارت إليها السنة أن أصل الضلال والمعاصي هو: اتباع الهوى (3) :

وقد جاءت الآيات والأحاديث تبين هذا الأصل في غير ما موضع:

قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله: «فجميع المعاصي تنشأ من تقديم هوى النفس على محبة الله ورسوله، وقد وصف الله المشركين باتباع الهوى في مواضع من كتابه، وقال - تعالى: {فَإن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ} [القصص: 50] . وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع، ولهذا يسمى أهلها أهل الأهواء» ا. هـ (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت