ثم قال: قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [17] } [سورة الأحزاب] . فأخبر سبحانه أن العبد لا يعصمه أحد من الله إن أراد به سوءًا غير الموت الذي فرّ منه، فإنه فرّ من الموت لما كان يسوءه، فأخبر الله سبحانه أنه لو أراد به سوءًا غيره؛ لم يعصمه أحد من الله، وأنه قد يفر مما يسوءه من القتل في سبيل الله، فيقع فيما يسوءه مما هو أعظم منه، وإذا كان هذا في مصيبة النفس، فالأمر هكذا في مصيبة المال، والعرض، والبدن، فإن من بخل بماله أن ينفقه في سبيل الله تعالى وإعلاء كلمته؛ سلبه الله إياه، أو قيض له إنفاقه فيما لا ينفعه دنيا ولا أخرى، بل فيما يعود عليه بمضرته عاجلًا وآجلًا، وإن حبسه وادخره منعه التمتع به، ونقله إلى غيره، فيكون له مهنؤه وعلى مخلفه وزره، وكذلك من رفه بدنه وعرضه، وآثر راحته على التعب لله، وفي سبيله؛ أتعبه الله سبحانه أضعاف ذلك في غير سبيله ومرضاته، وهذا أمر يعرفه الناس بالتجارب.. قال أبو حازم:' لما يلقى الذي لا يتقي الله من معالجة الخلق أعظم مما يلقى الذي يتقى الله من معالجة التقوى'.
واعتبر ذلك بحال إبليس، فإنه امتنع من السجود لأدم فرارًا أن يخضع له، وطلب إعزاز نفسه، فصيره الله أذل الأذلين، وجعله خادمًا لأهل الفسوق والفجور من ذريته، فلم يرض بالسجود له، ورضى أن يخدم هو وبنوه فساق ذريته. وكذلك عباد الأصنام أنفوا أن يتبعوا رسولًا من البشر، وأن يعبدوا إلهًا واحدًا سبحانه، ورضوا أن يعبدوا آلهة من الأحجار.
وكذلك كل من امتنع أن يذل لله، أو يبذل ماله في مرضاته، أو يتعب نفسه وبدنه في طاعته، لابد أن يذل لمن لا يسوى، ويبذل له ماله، ويتعب نفسه وبدنه في طاعته ومرضاته؛ عقوبة له، كما قال بعض السلف:' من امتنع أن يمشي مع أخيه خطوات في حاجته أمشاه الله تعالى أكثر منها في غير طاعته'.
من كتاب:'إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان' للعلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله.