الجمعة 8 / 10 / 1976
العلامة محمود مشّوح
(أبو طريف)
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:
ففي الجمعة الماضية افتتحنا الحديث عن السورة الثامنة ، وفاقًا لترتيب المصحف بحسب سياق النزول على الأرجح ، ولَكم كنت حريصًا على أن أكون في التتبع والسرد أسرع من تطلعاتكم ورغباتكم ، ولكنا جميعًا وبغير استثناء نعاني من مرض قديم ونلمس آثاره وعقابيله تقهقرًا وتخلفًا وانحطاطًا ، إن هذه الأمة ومنذ مئات السنين مع الأسف الشديد تنفر من معالم الأمور وتفر مما يكلف مشقة ، وآية ذلك أن هذا الخلط الوبيل يتجلى حتى في صغائر الأمور فنحن نحب السرعة ونحب الخفة ونحب أن نعيش أكثر أوقاتنا مع الأماني والأحلام ، أن تكون الأمة التي أراد الله لها أن تعلّم الناس الجد في الأمر كله ، وأن تعلّم الناس قيمة الوقت ، وأن تعلّم الناس أن الحياة تكاليف ومشقات ، هذه الأمة بالذات أصبحت من رسالتها على النقيض . وصدقوني حين أقول لكم والألم يحز في نفسي أنني منذ سنوات ومنذ بدأت أتحدث إليكم وإلى الناس على النحو الذي أتحدث به أعيش ما يشبه الغربة وأتقلب في الألم . إن كل شيء من حولنا يريد منا الجد ، وبالمقابل كل خلية من كياننا تريد السهولة والهزل ، وما من غرابة بعد ذلك أن تكون أحوال الأمة في مشارق الأرض ومغاربها على النحو الذي ترون هزائم متلاحقة وفشل المستمر .
وحسبنا أننا أضحوكة الناس في هذه الأيام ، إن الإسلام حين بدأ من أول الطريق في بواكيره الأولى ، اعتمد على الرصيد الذي لا رصيد سواه بعد الله تعالى وهو هذا الإنسان ، فهو بحكم استخلافه في الأرض مكلّف ومطالب ، وحين يميل إلى الرخاوة والطراوة فقد نبه الإسلام إلى أن ذلك علامة الدمار ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها فدمرناها تدميرًا ) . وحين شحن هذا الإنسان بالطاقة وبعثه عنصر فعالًا في هذا الوجود أحدث المعجزة التي ما تزال آية في التاريخ لا تسبق ولا تلحق .
ونحن منذ بداية الطريق ومنذ سنوات ـ كما قلت لكم ـ ما غابت عنا هذه الحقيقة وكنا بين أمرين ، إما أن نعض بالنواجز على البداية التي بدأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكابد المشقة ونريح أنفسنا ونتملق عواطف الجماهير ونسد كثيرًا من الأبواب التي تزعج وتؤذي وتسيء ، وإما أن نجد وندخل من الباب الضيق ونعمل للأمد الطويل ، ولعل منكم من يذكر أنني في هذا المكان قلت منذ سنوات: إنني قررت أن أتحدث إلى الأجيال المقبلة ، ما أقول هذا ـ يشهد الله ـ لأبعث اليأس في النفوس ولا لأحطم الهمم التي تريد أن تتوثب ، ولكني أريد أن أجسّم خطرًا ماثلًا ، ربما يختدع بعض الناس فيه ، ولكنه يَضل ويُضل ، ومن الخير لنا قولًا واحدًا أن نعرف ما نريد وبالحجم الذي نريد ، وأن نوفر من الطاقة كفاء هذا الذي نريد .
هذا كلام أقوله وأن أستذكر بعض ما قلت في الأسبوع الماضي ، لعلي ذكرت لكم أني سأمرّ على السورة ، ومن صنع الله تبارك وتعالى أنني ما استطعت على مدى ساعة كاملة أن أتجاوز كلمة واحدة ، مضت الساعة كلها ونحن نتحدث إليكم عن معنى ( سبح ) معنى التسبيح ، وحين كنت أتحدث يشهد الله أنني كنت أتمزق ، أعرف أن كثيرًا من هذا الذي أقول غير مفهوم ، ولكن لا بأس ، ورجوت أن يكون هذا الأسبوع خيرًا من الذي مضى ، وأن أُدخل على نفوسكم بعض السهولة والليونة ولكني مضطر إلى أن آخذ نفسي وإلى أن آخذكم أيضًا بألوان من مشقات ، لا بد من الصبر عليها .
إن هذا القرآن قائد هذه الأمة ودليلها والضوء الذي تعشو إليه والحداء الذي تسير من خلفه ، وهذا القرآن معجزة الله الباقية على الدهر ، لا يبليها كر الليالي ولا مر الأيام ، ثم هو صياغة الحكيم الخبير ، ثم هو عهد الله وميثاقه إلى الناس عامة ، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . فهو بهذه المثابة نمط فريد ومعجز وعجيب من القول ، بل لعلنا نظلم القرآن إذا سميناه قولًا ، لولا أن الله جلّ وعلا سماه كذلك في بعض الأحيان ، لعل من الخير أن نركز على التسمية الأخرى التي وردت في القرآن وهي أنه روح ، فالكلام الذي يتلى له من الإعجاز والفاعلية ما للروح في جسم الإنسان . وكلام من هذا النوع خليق أن لا يتنطح للقول فيه إلا من أخذ له أهبته وأعد عدته ، ولكننا في زمان عضوض ، ولولا أن هذا الزمان منتكس ما كنت بينكم خطيبًا ولا معلمًا ولا مرشدًا ، ومن أنا وأضرابي حتى نقف المواقف التي وقفها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يتلو على الناس آيات الله ، وينثر عليهم حكمه الشريفة ، ويكون صدى ضخمًا جدًا لهذا الوصف الباهت الذي قاله فيه شوقي:
وإذا خطبتَ فللمنابر هزة تعرو النبي وللقلوب بكاء