قال تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) .
تأتي تلك الآيات البينات وهي تحمل في طياتها قيم ومعاني المنهج الإسلامي التربوي لصياغة الفرد والمجتمع؛ فهي تفصح بجلاء في سياق معانيها عن أن مهمة بعثة النبوة الأولى هي إخراج الأمة من الأمية بكافة أشكالها وأنواعها؛ وتربيتهم عبر الحكمة والموعظة الحسنة؛ لبناء أمة اسلامية بمعنى الكلمة.
وإخراج الأمة من الأمية لا يتحقق بالأمنيات والرغائب، وإنما يتحقق بالتربية، والتعليم، واكتساب المعرفة، والخبرات، وتأتي التربية في مقدمة أولويات المنهج الإسلامي من حيث البناء والصياغة للأمة قبل التعليم، والانطلاق نحو التمكين، والإسلام يجسد ذلك قولًا وفعلًا في إعداده للفرد، والمجتمع؛ وقد جاءت الآيات توضح ذلك كقوله تعالى: (كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) .
فالتزكية تعني التربية، وبناء النفوس، ثم يأتي بعدها التعليم عبر الهدى القرآني، والحكمة المنبثقة من السنة النبوية؛ المبينة لذلك الكتاب كما في قوله تعالى: (وأنزلنا عليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) .
ونجد أولوية التربية أيضًا واقعًا معاشًا، ونموذجًا حيًا في تلك المدرسة المحمدية التي أقامها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بدار الأرقم بداية الدعوة الإسلامية؛ لبناء النفوس أولًا، وإعدادها إعدادًا إيمانيًا؛ للاستعداد لتحمل أعباء الدعوة، والانطلاق بها نحو الآفاق؛ فالتربية، والتعليم هما وظيفة الأنبياء، والمرسلين، والدعاة من بعدهم، وكل المصلحين، والداعين إلى الخير، والفضيلة؛ فهي واجب رباني؛ يقوم به الإنسان من باب الفرض، قبل أن يكون وظيفة؛ يأخذ عليها أجرًا؛ لقوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) ، كما أن التربية مسؤولية تضامنية؛ تقع على عاتق المجتمع كله؛ ابتداءًا من الدولة، وإلى آخر أسرة فيها؛ لقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) .
ويعتبر المنهج التربوي المبني على الأسس، والقواعد الإسلامية صمام الأمان؛ لبناء أمة تقود البشرية إلى صراط المستقيم؛ عبر رسالته الخيرية الشاملة؛ قال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) ؛ فكلمة (للناس) تعني لجميع البشرية.
ومن هنا نعلم عظمة المنهج الإسلامي، ونبصر قيمه، وتعاليمه التربوية التي تصلح لكل زمان، وأوان، ويسعد بها كل إنسان.
ويمتاز المنهج التربوي الإسلامي عن غيره بأنه ليس نظرية من صنع البشر؛ تأخذ جانبًا وتضع الجانب الآخر؛ فهي تهدف إلى بناء الإنسان كله، والعناية به منذ بداية نشأته الأولى وقبل أن يكون مولودًا؛ في أجنة الأرحام وإلى أن ينتقل إلى ربه؛ فهي منهج رباني، متكامل؛ يستسقى جذوره من العقيدة الإسلامية الصحيحة؛ (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) .
ويغذي أفراده بالقيم الإيمانية الفاضلة؛ (لا يكتمل إيمان المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ، (المسلم أخو المسلم) .
ويبني أجسادهم بالرزق الحلال؛ من خلال حث الفرد للعمل، والبحث في الأرض، ومراقبة الله تعالى في حياته؛ قال تعالى: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) .
ويقول الحبيب المصطفى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: (ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده؛ وإن نبي الله داؤود عليه السلام كان يأكل من عمل يده) .
والإسلام يحيط ذلك السياج التربوي بحقائق من الذكر الحكيم في قوله تعالى: (والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا اللذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) ، (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) ؛ فالتربية من خلال المفهوم القرآني، والهدي النبوي هي إعداد، وصياغة الفرد، والمجتمع؛ ليتبوءوا مواقعهم في الحياة الدنيا؛ لأداء خلافة الله تعالى في الأرضن وتحقيق عبوديته الخالصة التي خلقوا من أجلها، وليهيئو أنفسهم ليتبؤوا مقاعدهم في الآخرة في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
هذه هي المعاني التربوية التي يريد الإسلام أن تكون واقعًا معاشًا في حياة الفرد، والمجتمع، وأن تترجم إلى سلوك عملي؛ لكي تكون حياة الفرد كلها عبادة؛ مصداقًا لقوله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) .. صدق الله العظيم.والله من وراء القص