فهرس الكتاب

الصفحة 2582 من 27345

أَوَكلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم؟!

د. سامي بن إبراهيم السويلم 1/4/1424

سورة البقرة من أعظم سور القرآن، وقد استغرق وصف حال بني إسرائيل أكثر من 100 آية، ولم يكن ذلك من باب التسلية القصصية أو الترف الإخباري؛ بل كان لحكم وغايات عظيمة، من أهمها: أن يعتبر المسلمون من حال بني إسرائيل، وألا يكونوا مثلهم، ولا يسيروا بسيرتهم.

وكان مما انتقده القرآن على اليهود نقضهم العهود، كما قال تعالى: {أو كلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون} [البقرة 100] . فذم اليهود على تشرذمهم وتمزق كلمتهم وكثرة انقسامهم، ولذلك كلما عاهدوا عهدًا انشقت عنهم طائفة، ونبذت العهد ونقضته. وإذا كان هذا مما ذم الله تعالى به اليهود؛ فمن البدهي أن ينهى المسلمين عنه، وأن يأمرهم بخلافه، وهو ما جاء في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم:"ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم"، وفي المسند والسنن أنه عليه الصلاة والسلام قال:"المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم".

وهذا الحديث من جوامع الكلم ومن أمارات النبوة، إذ جمع المعاني العظيمة في عبارات يسيرة؛ فقوله عليه الصلاة والسلام:"يسعى بذمتهم أدناهم"أي: من أعطى من المسلمين عهدًا لكافر؛ فإن سائر المسلمين يلتزمون بهذا العهد، ولو كان الذي أعطاه من أدنى المسلمين في سلّم القرار السياسي والعسكري.

وفي شرح السنة:"أي أن واحدًا من المسلمين إذا أمّن كافرًا حرم على عامة المسلمين دمه، وإن كان هذا المجير أدناهم، مثل: أن يكون عبدًا، أو امرأة، أو عسيفًا تابعًا، أو نحو ذلك، فلا يخفر ذمته."

وأوضح مثال على ذلك قصة أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها في الصحيحين وغيرهما، أنها أجارت رجلًا من المشركين، فبلغها أن أخاها علي بن أبي طالب رضي الله عنه سيقتله، فشكت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال عليه السلام:"قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ."

فليس من شأن المسلمين أن يكونوا كاليهود (كلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم) ؛ بل هم يد واحدة وكلمتهم واحدة، ويسعى بذمتهم أدناهم كما قال المصطفى عليه الصلاة السلام.

"نفي لهم بعهدهم"

وفي صحيح مسلم (1787) أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت أنا وأبي، فأخذنا كفار قريش، قالوا إنكم تريدون محمدًا؟ فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة، قال حذيفة رضي الله عنه: فأخذوا منّا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرناه الخبر، فقال:"انصرفا، نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم".

فها هو النبي -صلى الله عليه وسلم- في حالة حرب مع المشركين، ومع ذلك يفي لهم بعهدهم ويستعين الله عليهم!. ولا عجب أن كان حليفه النصر، فالله لا ينصر قومًا بالغدر والخيانة {إن الله لا يحب الخائنين} [الأنفال 58] .

وفي مسند أحمد وغيره أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:"من أمّن رجلًا على دمه فقتله؛ فإنه يحمل لواء الغدر يوم القيامة"، وفي لفظ:"إذا اطمئن الرجل إلى الرجل، ثم قتله؛ رفع له لواء الغدر يوم القيامة"، وفي رواية:"من أمّن رجلًا على دمه فقتله؛ فأنا برئ من القاتل، وإن كان المقتول كافرًا" (السلسلة الصحيحة حديث 440) .

فكيف ننتظر النصر إذا تبرأ منا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟

وقد ذكر أهل العلم ممن تصدى لهذا الموضوع ما أورده المفسرون عند قوله تعالى: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور} [الحج 38] . قال القرطبي:"روي أنها نزلت بسبب المؤمنين لما كثروا بمكة، وآذاهم الكفار، وهاجر من هاجر إلى أرض الحبشة ; أراد بعض مؤمني مكة أن يقتل من أمكنه من الكفار ويغتال ويغدر ويحتال ، فنزلت هذه الآية؛ فوعد فيها سبحانه بالمدافعة، ونهى أفصح نهي عن الخيانة والغدر". فهل تجد عن السلف أوضح من هذا البيان؟!

وتأمل كيف ربطت الآية بين دفاع الله عن المؤمنين وبين التحذير من الخيانة، وما يتضمنه ذلك من أن المؤمنين ليس من شأنهم الخيانة، وأن نصر الله لا يتنزل على الخائنين.

"ولا تخن من خانك"

ليست الانتهازية من أخلاق المسلمين، ولا مبدأ"الغاية تبرر الوسيلة"من مبادئهم. فلا يكفي أن تكون الغاية مشروعة؛ بل لا بد أن تكون الوسيلة إليها مشروعة كذلك. أما التوسل للمشروع بالممنوع فهذا مما قرر أهل العلم أنه من الحيل المذمومة المنهي عنها (انظر إعلام الموقعين، دار ابن الجوزي، 5/302) .

وفي المسند أن بشير بن الخصاصية قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-:"إن لنا جيرة من بني تميم لا تشد لنا قاصية إلا ذهبوا بها، وإنها تجيء لنا من أموالهم أشياء أفنأخذها؟"فقال عليه الصلاة والسلام:"لا". وثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من طرق أنه قال:"أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" (الصحيحة 423) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت