فهرس الكتاب

الصفحة 2583 من 27345

إن الفرق بيننا وبين أعدائنا أننا أصحاب رسالة وقيم وحضارة تهدي البشرية وتقودها إلى الفضيلة، أما هم فهم لا يريدون سوى العلو في الأرض بأي طريق كان. فلا يجوز أن نكون مثلهم ولا أن نجاريهم في أساليبهم الدنيئة.

والغريب أن من يتبعون هذه الأساليب إذا قيل لهم: إن المعركة غير متكافئة ولا بد للنصر من شروطه وأسبابه، قالوا: إن النصر لا يكون بالعدد ولا بالعدة وإنما بالإيمان، ثم هم يلجؤون إلى ما ينافي الإيمان! فالإيمان يوجب الصدق والوفاء ويحرم الغدر والخيانة. فكيف ننتصر على أعدائنا إذا لم نكن نملك لا العدد ولا العدة، ولا موجبات الإيمان؟!

"وآمنهم من خوف"

لقد أمر الله تعالى قريشًا بعبادته بعد أن ذكر منته عليهم بالأمن، فقال: {فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} ، فرتب الأمر بالتوحيد وعبادة الله وحده على الأمن من الخوف والطعم من الجوع، وهو مما يبين أن الإسلام إنما ينتشر في بيئة الأمن والاستقرار والرخاء، لا في بيئة الخوف والجوع والقلق. ومن دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- كل شهر عند رؤية الهلال:"اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام"رواه أحمد وغيره.

ولا شك أن الإسلام لم يأت ليبدل أمن الناس خوفًا؛ بل العكس هو الصحيح، وهذه إنما هي شبهة المشركين الذين قالوا للنبي -صلى الله عليه وسلم-: {إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} ؛ فرد الله عليهم بقوله: {أولم نمكن لهم حرمًا آمنًا يجبى إليه ثمرات كل شئ رزقًا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون} [القصص 57] .

قال يحيى بن سلام:"يقول: كنتم آمنين في حرمي، تأكلون رزقي، وتعبدون غيري، أفتخافون إذا عبدتموني وآمنتم بي؟!" (تفسير القرطبي) .

وإنما يكون الخوف عقوبة من الله على من خالف أمره، كما قال سبحانه في القرية التي كفرت بأنعم الله: {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} . فكيف يستحل مسلم أن يجلب الخوف والقلق للمجتمع الإسلامي باسم الإسلام؟ وإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- (كما في صحيح مسلم) قد دعا على من شق على المسلمين بقوله:"اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه"، فكيف بمن يتسبب في أعظم المشقة ألا وهي الخوف والاضطراب والفوضى، مع كونه لا يملك من ولايتهم شيئًا؟!

من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه

قضت حكمة الله -تعالى- في خلقه وأمره أنه {لكل أجل كتاب} [الرعد 38] ، وأنه {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون} [الحجر 5] . وأن سنة الله -تعالى- لا مبدل لها: {فلن تجد لسنة الله تبديلًا ولن تجد لسنة الله تحويلا} [فاطر 43] . فمن رام خرق هذه السنن أو الالتفاف عليها كانت النتيجة نقيض مقصوده، وقد أدرك أهل العلم هذا المعنى من نصوص كثيرة، وعبروا عنه بالقاعدة المعروفة: من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في الخمر- كما في الصحيح-:"من شربها في الدنيا لم يشربها في الآخرة"، وقال:"لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة".

ومن أهم ما تراعى فيه هذه القاعدة الإصلاح والتغيير، ولهذا أُمر النبي عليه الصلاة والسلام بالصبر في مكة 13 عامًا على أصناف الاضطهاد والتنكيل والاستبداد، ولم يكن ذلك عبثًا ولا مضيعة للوقت؛ بل كان بناءً تدريجيًا لقاعدة المجتمع المسلم، التي سيقوم عليها فيما بعد. ولذلك قال عمر -رضي الله عنه-:"إنما ينقض الإسلام عروة عروة من نشأ في الإسلام ولم يعرف الجاهلية". فالجاهلية التي أشار إليها رضي الله عنه هي التي صمد المسلمون أمامها دون رفع السلاح طوال العهد المكي، فصبروا وثبتوا حتى تمكن الإيمان في قلوبهم، وتجردوا من حظوظ أنفسهم، وأصبح انتصارهم لله - تعالى- ولدينه، لا لأنفسهم وأهوائهم.

ولا يرتاب عاقل أن منهج العنف مخالف لسنة الله - تعالى- وشرعه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:"إن الله يحب الرفق في الأمر كله"، وقال:"إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه"، وفي رواية:"لا يكون الرفق في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه"، وفي رواية:"من يحرم الرفق يحرم الخير" (هذه الروايات في الصحيحين) .

والعنف نتيجة لاستعجال النتائج، وقلة الصبر، ومغالبة سنن الله الكونية. ولكن النتيجة الطبيعية للعنف هي في الغالب نقيض مقصود صاحبه، فيترتب عليه استفحال المنكر وتسلط الأعداء أكثر من ذي قبل، ولو لم يكن من مساوئ هذا المنهج إلا هذا لكفى، فكيف والشرع جاء بذمه، والتحذير منه، والأمر بضده؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت