فهرس الكتاب

الصفحة 2584 من 27345

والله تعالى شرع القتال حتى لا تكون فتنة، أما إذا كان القتال والمواجهة المسلحة هي نفسها تفضي إلى الفتنة، فهي محرمة لأنها مناقضة لمقصود الشرع، وفي صحيح البخاري أن رجلين أتيا إلى ابن عمر -رضي الله عنه- في فتنة ابن الزبير، فقالا له:"إن الناس صنعوا، وأنت ابن عمر، وصاحب النبي - صلى الله عليه وسلم- فما يمنعك أن تخرج؟ فقال:"يمنعني أن الله حرم دم أخي"، فقالا: ألم يقل الله: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} ؟ فقال:"قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله"."

وفي صحيح مسلم أن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- لما اجتنب الفتنة التي جرت بين الصحابة -رضي الله عنهم جميعًا- قال له رجل: ألم يقل الله {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} ؟ فقال سعد:"قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة".

ومن تناقض أنصار العنف أنهم يبررون موقفهم بأن الرفق لا يأتي بنتيجة، وأن الأمة تنحر من أقصاها إلى أقصاها، ولم نفعل من أجلها شيئًا. فإذا ما وقعت عمليات العنف، وتبين أن ضررها أضعاف نفعها، وأن الأمة لم تزدد بذلك سوى نحرًا وذلًا وانهزامًا، وقيل لهم: ماذا استفدنا من العنف؟ قالوا: ليست العبرة بالنتائج، وإنما بالمبادئ! ولكن ألم تتركوا المبادئ من أجل النتائج؟ فلا استمساك بالمبادئ، ولا تحقيق للنتائج!

"متاع قليل"

كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يتألم كثيرًا إذا رأى من قومه جحود الحق ومكابرة الرسالة، وهي أوضح من الشمس للعيان، ونزل القرآن مرارًا يعاتبه في المبالغة في هذا الجانب: {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين} [الشعراء 3] ، وقوله تعالى {باخع نفسك} أي قاتلها من الغم والحسرة على عدم إيمانهم، وقال جل شأنه: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِين}

[الأنعام:35] .

فمن ظن أنه سيجمع الناس على الهدى، أو أنه سيمحو الكفر من على وجه الأرض، فهو من الجاهلين، بنص القرآن؛ بل ثبت في صحيح مسلم أن الساعة تقوم والروم أكثر الناس، فإذا رأى المسلم علو الكافرين في الأرض وظهورهم فيها؛ فليعلم أن الدنيا بأسرها لا تساوي عند الله تعالى جناح بعوضة، وأن مصير هؤلاء يتحدد في الآخرة، وليس في الدنيا: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد} [آل عمران 196-197] .

كما يجب ألا نيأس من رحمة الله - تعالى- بهذه الأمة ونصره لعباده المؤمنين، ومن قال هلك الناس فهو أهلكهم، ولكن حكمة الله - تعالى- فوق عقول البشر وأجل من أن يحيط بها مخلوق، وكما أمرنا أن نستجيب لأمر الله الشرعي؛ فنحن مأمورون بالاستجابة لأمره الكوني.

أما المصادمة والمواجهة مع السنن الإلهية، فستكون نتيجتها كما قال الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام:"إن المنبتّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أب"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت