فهرس الكتاب

الصفحة 24071 من 27345

أحمد فهمي

"القنبلة التي لا تنفجر"مصطلح سياسي جديد يمكن أن يفسر بعض أنماط الأداء السياسي للدول المجاورة للعراق وعلى الأخص إيران ، كما يمكن أن يقدم لنا رؤية جيدة لكيفية إدارة الصراع في هذه البقعة المضطربة من العالم العربي ، وهذا المصطلح يعني حرفيا أن: التهديد بالقنبلة يمكن أن يكون في أحيان كثيرة أكثر نفعا من تفجيرها ، ومن الناحية السياسية يمكن ترجمة هذا المصلح بأنه"استغلال وتوجيه قوة سياسية في مجتمع مضطرب تجاه تصعيد الأحداث بصورة متكررة إلى ما دون الانفجار وذلك بغرض تحقيق مكاسب سياسية"..

وإيران لها تجربتان بارزتان في تطبيق هذا المفهوم السياسي المكيافيللي ، وهما: حزب الله في لبنان ، وتيار مقتدى الصدر في العراق ، فكلا التيارين خاضع لدرجة كبيرة لسياسة ومصالح طهران ، ويتم توجيههما عن بعد ضمن اللعبة السياسية ، ورغم إقرار واعتراف جميع القوى بالعلاقة الخاصة بين إيران وهذين التيارين إلا أن ذلك لم يؤثر على استمرار هذه العلاقة بل وتناميها ..

ونحاول في هذه العجالة أن نلقي نظرة تحليلية على العلاقة الإيرانية الصدرية من خلال المفهوم السابق"القنبلة التي لا تنفجر"، وبداية هناك شروط لابد من توفرها لكي تصلح قوة سياسية أن تستخدم في هذا الإطار ، وهذه الشروط توفرت بجدارة في حزب الله ، وفي تيار مقتدى الصدر ، ويمكن تلخيصها فيما يلي:

أولا: الانتماء الطائفي: وهو شرط أساسي ، ويضاف لذلك أن تكون هناك التبعية الدينية للتيار المطلوب تبنيه لمرجعية موجودة في إيران ، وهذا متحقق في حزب الله ، وبالنسبة لتيار الصدر فالمفترض تاريخيا أن له مرجعية مستقلة عن إيران تمثلت في باقر الصدر ثم صادق الصدر ، ولكن بعد وفاة صادق والد مقتدى الصدر انتقلت مرجعية التيار إلى كاظم الحائري الذي يقيم في إيران منذ عقود ، وهو عراقي من أصل إيراني .

ولحكومة الملالي في طهران محاولات عديدة لاستقطاب حركات إسلامية سنية جهادية لكي تطبق عليها نفس الأسلوب ولو جزئيا ، ولكن أيا منها لم تحقق نجاحا بسبب التباين العقدي ..

ثانيا: المشاركة في لعبة التوازنات: لكي يكون التيار المُختار صالحا لاستغلاله يجب أن تتوفر لديه القدرة على المشاركة في التوازنات السياسية الداخلية ، وفي العراق فإن تيار الصدر يمثل أحد القوى الرئيسية الشعبية للشيعة ، نظرا لتاريخه الطويل وجهود أبرز قادته"باقر وصادق الصدر"، وتبدو أهمية هذا الشرط في أن مثل هذا التيار لن تكون التضحية به سهلة بالنسبة للقوى المتصارعة ، وستكون هناك حاجة إليه على الدوام لتحقيق الموازنة بين القوى الشيعية من ناحية وبين الشيعة والسنة من ناحية أخرى ، ولو كان التيار المختار هامشيا في لعبة التوازن فسرعان ما ستخسره حكومة طهران وتضيع الجهود المبذولة لدعمه لأن سحقه من قبل الاحتلال الأمريكي لن يكون مكلفا ، وهنا تكمن البراعة السياسية في إدارة الصراع ، فحكومة الملالي تلعب مع الاحتلال الأمريكي بورقة ضغط لا يمكن حرقها ، ولذلك فإن الرئيس الأمريكي جورج بوش لم تكد أسابيع قليلة تمر على اتهامه لمقتدى الصدر بأنه قاطع طريق مناهض للديمقراطية ، حتى تغير موقفه وأعلن تقديره لاعتزام الصدر التحول إلى العمل السياسي ، وهو ما أوقع الإدارة الأمريكية في تناقضات محرجة ، حيث جاء تصريح بوش متزامنا مع تصريح دان سيمور أحد المتحدثين باسم الإدارة بالقول:"هناك مذكرة اعتقال عراقية صادرة ضد مقتدى الصدر تربطه بعملية قتل بشعة - عبد المجيد الخوئي - وأنا لا أرى كيف يكون مؤهلا لدور سياسي قبل حل قضية القتل هذه"..

ويمكن أيضا تلمس ذلك بسهولة عند المقارنة بين أسلوب المواجهة الأمريكية لجيش المهدي ، وبين المواجهة لفصائل المقاومة السنية في الفلوجة وغيرها ، بل أكثر من ذلك فإن إعلان إدارة الاحتلال الأمريكي عن شراء الأسلحة التي يتم نزعها من تيار الصدر يعتبر رشوة مفضوحة لا سبيل لإنكارها ، فمن المسلم به أن أي عملية نزع للسلاح محدودة المكان والتمويل في العراق لن تنجح بهذه السهولة لإن كميات الأسلحة المتوفرة بأيدي العراقيين لا يمكن حصرها ، وبالتالي فإن تقديم عدة ملايين من الدولارات مقابل كميات من الأسلحة يسهل جدا تعويضها ليس إلا تقديم دعم مقنع لجيش المهدي أو تعويض مالي ، وقد صرح قيس الخزعلي أحد الناطقين باسم مقتدى الصدر أن"العراق يمكن أن يتحول إلى دولة مصدرة للسلاح إذا شاء لكثرة وجود السلاح لدى المواطنين العاديين"..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت