ثالثا: القدرة على ممارسة نشاط عسكري: وهذا النشاط ليس هدفه بالطبع تحقيق الأهداف الدعائية المعلنة مثل الاستقلال أو طرد المحتل ، بل هدفه تحقيق مستوى من المشاغبة الميدانية تدفع الأوضاع في اتجاه يناسب المصالح الإيرانية ، وإذا كان حزب الله يمتلك خبرة عسكرية محدودة تراكمت بتأثير الحرب الأهلية اللبنانية وتوابعها ، فإن تيار الصدر كان مفتقرا لخبرة مشابهة ، و لذلك تم تسليح جيش المهدي على عجل وتولت المخابرات الإيرانية تدريب كوادره بسرعة بالقدر الذي يمكنه من أداء الدور المنوط به ، وهذا ما كان واضحا في الانتفاضتين الصدريتين منذ الاحتلال الأمريكي للعراق ، فقد كان ملموسا ضعف الأداء العسكري لجيش المهدي ، وعدم قدرته على ممارسة أسلوب حرب العصابات ، وكانت عملياته العسكرية تتصف بالعشوائية والتردد ، فكانت عناصره تحتل المباني الحكومية لترفع عليها صور مقتدى الصدر ثم تنسحب وتتراجع بلا أي هدف ، واتسمت تحركاتهم بسمة إثارة الفوضى أكثر منها مقاومة للمحتل ، وهذا ما كان يقصده مخططو السياسة الإيرانية في العراق ..
وتكشف قلة الخبرة السياسية لأعوان مقتدى الصدر هذا الأمر بجلاء ، إذ يصرح قيس الخزعلي لصحيفة الحياة في محاولة لنفي شبهة الميلشيا عن جيش المهدي:"جيش المهدي لا يملك شيئًا من مقومات الميليشيات المسلحة , اذ ليست هناك رواتب أو تجهيزات عسكرية وإنما المظاهر المسلحة موجودة في كل العراق"ويقول:"جيش المهدي هو عبارة عن تيار جماهيري , سمينا القاعدة العريضة التي يعتمد عليها باسم جيش المهدي مستلهمين الروايات التي تربط الشيعة بالإمام الثاني عشر المهدي"، وهو بذلك يغفل عن حقيقة أن كل تيارات المقاومة للاحتلال في أي بلد تعلن بوضوح أن لها جناحا عسكريا ، وهناك قوى شيعية أخرى لديها ميلشياتها العسكرية مثل حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية ، فلماذا إذن يحرص الخزعلي على نفي تهمة الميلشيا مع الإصرار على تسميته في نفس الوقت بـ"الجيش"؟ ..!
رابعا: الافتقار إلى الدعم: لكي تتمكن طهران من الاستحواذ على التيار المستهدف لابد أن يكون مفتقرا إلى الدعم بقوة ، سواء من الناحية السياسية أو المالية أو العسكرية ، وإن كان حزب الله قد تأسس في الأصل في أروقة المخابرات الإيرانية ، فإن تيار الصدر صاحب التاريخ العريق في المعارضة للنفوذ الإيراني في العراق ، لم يجد بدا من تغيير مواقفه مائة وثمانين درجة لكي يسد جوانب الخلل والضعف لديه ، أضف إلى ذلك أن مقتدى الصدر كان يواجه ضعفا آخر تمثل في عجزه عن تولي الزعامة للتيار نظرا لضعف مقوماته الشخصية ، فكان حتميا بالنسبة له أن يلقي بنفسه في شبكة العنكبوت الإيرانية ..
خامسا: القدرة على المشاركة السياسية: النشاط العسكري له مجاله وتوقيته ، وعندما تتغير الظروف والمرحلة لابد من تحول النشاط العسكري إلى سياسي، وكان يمكن للإيرانيين أن ينتقوا بعض المرتزقة من شيعة العراق ويقوموا بتدريبهم وتسلحيهم لإثارة الشغب ، ولكن اختيار تيار الصدر يوحي بأن الهدف ليس الشغب العسكري ، بل المطلوب أن تكون لحكومة طهران قدرة على التأثير في التوازن السياسي داخل العراق سواء في مواجهة المصالح الأمريكية أو في مواجهة السُنة أو في مواجهة شيعة العراق أنفسهم ..
وبالعودة إلى تصريحات الخزعلي - قليل الخبرة - يمكن استنباط النوايا الإيرانية ، فقد صرح الخزعلي:"لقد نقلوا أن في نيتنا تحويل جيش المهدي إلى تيار أو حزب سياسي, لكننا قلنا سابقًا أكثر من مرة أن جيش المهدي ليس ميليشيا مسلحة سيجري تحويلها إلى أي شيء آخر"ولكنه في نفس الوقت صرح في مناسبة أخرى:"التيار الصدري يواصل تشكيل تنظيم سياسي جديد يكون ضمن التشكيل الجديد للعراق الجديد وأن مناقشات لا تزال مستمرة لإخراج هذا التنظيم على أن يكون له حضور في الانتخابات المقبلة"..
وفي الجزء الثاني من المقال نحاول الإجابة على التساؤلات التالية: ما الذي يثبت تحول تيار الصدر إلى قنبلة إيرانية لا تنفجر ؟ ولماذا يلقى هذا التيار تغاضيا أمريكيا عن الماضي وترحيبا في المستقبل ؟ وما هي إنجازات التيار الثورية التي نجح في تحقيقها حتى الآن ؟
مقتدى الصدر ... قنبلة لا تنفجر 2 - 2
أحمد فهمي
لم يكن تيار الصدر يحتل مكانته الحالية في الخريطة السياسية الإيرانية قبل الاحتلال الأمريكي للعراق ، فقد كانت هناك أحزاب ومنظمات عراقية شيعية أخرى تتلقى الدعم الإيراني من أبرزها حزب الدعوة والمجلس الشيعي الأعلى للثورة الإسلامية ، ولكن بعد الاحتلال تغيرت الرؤى والأجندات ، وأصبح الراعي الأمريكي سيد الموقف وأوشكت الخيوط أن تفلت من بين الأصابع الإيرانية ، ولكنها سرعان ما استدعت تيار الصدر من على مقاعد الاحتياط وبدأت بتفعيله مباشرة حيث نفذ مهامه الأولى بنجاح وهي الانتقام من متنكبي الطريق الإيراني مثل عبد المجيد الخوئي ، وباقر الحكيم ..