أديب إبراهيم الدباغ
لقد أُخْتُصُّ نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام من بين الأنبياء عليهم السلام برفع لواء الحمد فوق هامة الإنسانية وبتفتيق ألسنة المؤمنين بشتَّى أنواع المحامد، وبتفجير أفئدتهم بينابيع الشكر والامتنان لله الجواد المنّان، وكان نجاحه في ذلك نجاحًا لا مثيل له في تاريخ الأنبياء، ويكفي أن نعلم بأنَّهُ صلَّى عليه الله وسلم"علّم المؤمنين كيف يحمدون الله على المكاره التي تنزل بهم، لأن المكاره حين تنزل بالمؤمن بقدر مقدور لحكمة مستترة تحت ستار الأسباب، فما هي إلاّ"
تنبيه أو تذكير أو تعليم أو تأديب لا ينبغي أن يتضجّر أو يجأر بالشكوى منها بل عليه أن يسارع إلى الحمد قائلًا:"الحمد لله الذي لا يُحمْدُ على مكروهٍ سواه".
فالحمد الصادق هو مفتاح الرحمة، حتى أنّ المحامد التي يلهمها له الله يوم القيامة وهو ساجد تحت العرش بخشوع ورهبة ستكون المفتاح الذي تُفْتحُ به أبواب رحمة الله، والشافعة عند الله لقبول شفاعته في أمته في ذلك الموقف الرهيب والعصيب، إنَّ نبيًا يرقى إلى هذا المدى الذي لا يطاله مدى في عبوديته لله، ويسمو هذا السمُوَ في محامده، فيرى في المحن والمكاره التي تنزل به مِنَّةً توجبُ الحمد جدير بأن يحمل لواء الحمد في هذا العالم، وأنْ يمضي ملتقطًا محامد الأرض من أفواه نباتها وحيوانها، وإنسها وجنِّها ليرفع إلى رب العالمين محامدها بلسانه الشريف" [1] ."
وحول هذه الذات المحمدية الأحمدية صلوات الله وسلامه عليه. يدير"النورسي"مناجاته وكما يأتي:
"اللهمَّ صلِّ على محمد بحر أنوارك، ومعدن أسرارك، وشمس هدايتك، وعين عنايتك، ولسان حجّتكَ، ومليك صنع قدرتك، ومثال محبتك، وتمثال رحمتك، واحبّ الخلق إليك، وعلى سائر الأنبياء و المرسلين، وعلى آل كلٍ وصحبِ كلٍ أجمعين، وعلى ملائكتك المقربين، وعلى عبادك الصالحين من أهل السموات والأرضين، برحمتك يا ارحم الراحمين."
سبحانك يا مَن يُسبح بحمدك هذا العالم بلسان محمد عليه افضل صلواتك وأتم تسليماتك.
سبحانك يا من تسبح لك الدنيا بآثار محمد عليه أنمى بركاتك.
سبحانك يا من تسبح بحمدك الارض ساجدةً تحت عرش عظمتك بلسان محمدها عليه أزكى تحياتك.
سبحانك يا من يُسبح لك المؤمنون والمؤمنات بلسان محمدهم عليه صلواتك أبدًا سرمدا.
سبحانك أسبّحك بلسان حبيبك محمد عليه اكمل صلاتك واجمل سلامك، فتقبل مني برحمتك كما تقبلته منه" [2] ."
وعلى لسان رسولنا المصطفى صلى الله عليه وسلم يجري"النورسي"المناجاة الآتية نيابة عن المسلمين جميعًا فيقول مخاطبًا رفيقه في إحدى سياحاته الإيمانية:
"هيا بنا يا صاحبي لنذهب معًا إلى تلك الجزيرة، حيث تضم جمعًا غفيرًا من الناس. فجميع أشراف المملكة مجتمعون فيها.. انظر فها هو ذا مبعوث كريم للسلطان متقلّد اعظم الأوسمة وأعلاها يرتجل خطبة يطلب فيها من مليكه الرؤوف أمورًا، وجميع الذين معه يوافقونه ويصدّقونه ويطلبون ما يطلبه."
أنصت لما يقول حبيب الملك العظيم، انه يدعو بأدبٍ جم وتضرّع ويقول:
"يا من اسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، يا سلطاننا، أرنا منابع وأصولَ ما أريتَه لنا من نماذج وظلال.. خذ بنا إلى مقر سلطنتك ولا تهلكنا بالضياع في هذه الفلاة.. أقبلنا وارفعنا إلى ديوان حضورك.. ارحمنا.. أطعمنا هناك لذائذ ما أذقتنا إياه هنا، ولا تعذبنا بألم التنائي والطرد عنك.. فهاهم أولاء رعيتك المشتاقون الشاكرون المطيعون لك، لا تتركهم تائهين ضائعين، ولا تفنِهم بموت لا رجعة بعده" [3] ..
[1] أنظر البعد الحسي في الإسراء والمعراج"لكاتب هذه السطور ص36"
[2] المثنوي العربي النوري ص 387
[3] الكلمات ص 52