فهرس الكتاب

الصفحة 8249 من 27345

محمد المجذوب

كثيرون جدًا أولئك الذين يريدون أن يقرؤوا سيرة هذا الرجل في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، وليس مرد تلك الإرادة إلى آثار علمية كثيرة قدمها إلى أمته أو كشف جديد أضافه إلى حقول المعرفة البشرية، وليس هو واحدًا من أولئك الانقلابيين الذين يستولون بالحديد والنار على أزمة شعوبهم، ومن ثم على وسائل إعلامها، فيملئون الدنيا صراخًا بمآثرهم وعجائب عبقرياتهم، ويقرعون الأسماع صباح مساء بالحديث عن مواهبهم التي أحالت الصحارى جنانًا، والهزائم انتصارات، والتخلف تقدمًا وازدهارًا..

أجل.. لا لشيء من هذا أو ذاك يريد المسلمون المعنيون بشئون دينهم وأحوال أمتهم أن يقفوا على بعض التفاصيل من سيرة هذا الرجل، ولكن لسبب آخر من حقه أن يجتذب أنظارهم وأفكارهم، لأنه بات في أيامهم هذه من التحف النادرة التي قلما يقعون عليها في واقعهم، مع أنها من الخصائص الأولى لهذه الأمة التي ميزها الله بالخيرية، المتمثلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله.

ولعل معظم هؤلاء الكثيرين قد فوجئوا لأول مرة باسم هذا الرجل يوم ألقى بقذيفته المدوية أمام المحكمة المنعقدة لمحاكمة من يسمونهم"جماعة الجهاد"في القاهرة، فانطلق صداها يتردد في الصحف والإذاعات العالمية، ثم لم يتوقف دويها حتى اليوم.. وحق لهم أن يفاجَئوا، وحق لوسائل الإعلام العالمية أن تردد ذلك الصدى، لأنه كان نذيرًا بأنه لا يزال بين علماء الإسلام من يؤثر مرضاة الله على النفس والحياة والمنصب، فيعلن شهادة الحق في أحرج المواقف، يرسلها مجلجلة ناصعة لا تخاف في الله لومة لائم، حفاظًا على قلبه من أن يخالطه الإثم الذي أوعد الله به كاتمي الشهادة..

وإنها لعمر الحق لبطولة تفوق سائر البطولات التي ألف الناس أن يمجدوها ويقيموا لها الأنصاب والمعالم.. وبخاصة بعد أن خرست أصوات الصادقين وطغت ضوضاء المنافقين، وأصبحت فنون البلاء موكلة بالألسن، فهي تتهيب أن تهمس بكلمة الحق خشية أن تقطع أو تنزع..

وبهذه الروح، وبهذه النظرة إلى موقف الرجل في ذلك اليوم التاريخي، قصدت إلى زيارته في داره بحي الدقي من القاهرة، وكان الحوار الذي أفضى إلى هذه الصفحات.

إنه الشيخ صلاح أبو إسماعيل من علماء الأزهر الغالي على قلوب المسلمين، وعضو مجلس الشعب الذي عرفه من أشد المنافحين عن شريعة الله والصادعين بالكلمة التي ترضي الله وتسخط كل عدو له..

يقول إنه ولد في بهرمس ـ مركز إمبابة ـ محافظة الجيزة بمصر، يوم السابع عشر من مارس عام 1927، في بيت معروف بحفاوته بالعلم والعلماء، فجده الأعلى كان إمامًا للخديوي إسماعيل، وأنجب ولدين تخرجا في الأزهر، ثم كانا عضوين في مجلس النواب.

فالبيت بيئة وجاهة وعلم ويسار، ويصفه الشيخ بأنه كان منتدى لأهل العلم، يعمرونه بزياراتهم ويعمرون مجالسه بمحاوراتهم ونقاشهم وأسمارهم وفتاواهم، كما كان مرتادًا لذوي الحاجات، يمكثون في مضافته الأيام حتى تقضى مصالحهم. وقد الناس لهذا البيت مودته أثناء الضائقة التي اجتاحته ـ فيما اجتاحت من مصر ـ خلال الثلاثينات، فلا ينجح مرشح في دائرته الانتخابية إلا بتأييد من أهله.

وقد توفي والد الشيخ بعد تخرجه في جامعة القاهرة وهو في ميعة الشباب، وحبست الوالدة نفسها عليه وعلى أخته فحاطتهما بأحسن الرعاية والتربية، فكان لها بهذا وغيره ـ يقول الشيخ ـ أبلغ الأثر في حياتهما.

تلك هي البيئة التي نشأ فيها الشيخ، فلا بد أنها تركت أثرها عميقًا في نفسه وخلقه وسلوكه، فهناك الجو العلمي الذي يواجه من خلاله وجوه كبار العلماء يترددون على ذلك البيت، وهناك"المكتبة الحافلة بنوادر المطبوعات والمخطوطات"وهناك الأفواج من الضيفان تتوافد على شيوخه تلتمس الحلول لمشكلاتها والفصل في خلافاتها، ولا يستبعد أن تستشفع بهم لإنجاز مصالحها لدى الجهات الرسمية عن طريق علاقاتهم بالمقام الخديوي والمجلس النيابي..

والغريب أن يمتد أثر هذا الجو في حياة الشيخ صلاح نفسه إلى حد التكرار لهذه الصور الأخيرة، التي شهدت مثلها في منزله، حيث رأيت أصحاب المصالح يحتلون بهو الاستقبال، فيستمع من هذا إلى قضيته الجديدة، ويراجع ذاك في ما انتهى إليه بشأن مشكلته القديمة، ويتصل من أجل الثالث بالمرجع الحكومي المختص بموضوعه، ولا ينفك خلال ذلك متكلمًا بالهاتفين أو مسجلًا في مذكرته اليومية مطالب هؤلاء وأولئك، حتى إذا حان موعد التحرك لمتابعة هذه الحاجات نهض ليقود سيارته وفيها ملؤها من هؤلاء.... ثم لا يزال يجول بهم بين هذه الدائرة وتلك وبين هذا الرئيس وذاك، حتى يستنفدوا إمكاناته وقد نهكه النصب. وأخذ طريقه في زحام السيارات إلى منزله ليتنفس الصعداء، وليستأنف بعد ذلك متاعبه في خدمة المراجعين، الذين لا يرى أحدهم سوى مشكلته وحدها..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت