فهرس الكتاب

الصفحة 21627 من 27345

لبنان والمنطقة إلى أين؟

الطاهر إبراهيم

كان لافتا للنظر إعلان باريس وواشنطن مساء يوم السبت 5 آب"أغسطس"الجاري عن التوصل إلى اتفاق مبدئي، للإعلان عن وقفٍ لإطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، ومن دون أن يعني ذلك وقفا للحرب بين الطرفين. ولم تكن هذه المعلومة الأخيرة هي عجيبة العجائب الوحيدة، بل إن الحكومة اللبنانية، على لسان مندوبها في مجلس الأمن، كانت تقول بأعلى صوتها: إنها الخاسر الوحيد من بنود وقف إطلاق النار هذا التي تم تسريبها إلى الصحافة، قبل أن يصدر قرار عن مجلس الأمن بذلك.

ابتداء يمكننا أن نكتب ونقرأ العلاقة السطحية البسيطة لموقف حزب الله من كل ما جرى وما يجري حاليا على أرض لبنان، وكذلك موقف الآخر اللبناني من كل ما جرى ويجري حاليا على أرض لبنان. الآخر اللبناني كان يقول ليس لأحد من اللبنانيين مهما كان شأنه أن ينفرد لوحده ويصادر على لبنان، ممثلا بحكومته، قرار الحرب والسلم. وبالتالي فما يجري حاليا هو قيام حزب الله بتوريط لبنان في ما لا طاقة له به، وبالتالي فإن هذه الحرب هي من اختصاص كل العرب، وكل العرب وكأنهم غير موجودين، وكل التحرك الخجول الذي رأيناه من وزراء الخارجية العرب إنما كان قبضَ الريح.

أما حزب الله، فيقول هذه قراءة مغلوطة للواقع. فنحن نقاتل من أجل استعادة أرضنا المحتلة في مزارع شبعا. وإذا تخلى بعض اللبنانيين أو أكثرهم أو أنهم لا طاقة لهم بقتال إسرائيل، فنحن نستطيع ذلك، وعلى الذين لا يقدرون على مساعدتنا أن يمسكوا ـ على الأقل ـ ألسنتهم عنا، وذلك أضعف الإيمان.

وكما أسلفنا، فإن كلتا القراءتين أبسط من أن تكونا قراءة للواقع الظاهر والمختبئ خلف كل ما يجري، وأن وراء الأكمة ما وراءها، فما هي هذه الأكمة؟ وما وراءها؟

المثل العربي يقول:"يدك منك ولو كانت شلاء". فأعضاء حزب الله هم مواطنون لبنانيون، وبالتالي فهم جزء من الشعب العربي، ولهم حق النصرة علينا بمفهومها الواسع الذي عبر عنه الحديث النبوي الشريف"أنصر أخاك ظالما أو مظلوما".

لكن هناك أمورا أخرى لا يجب تجاهلها. فقد كشف القتال الذي يجري حاليا على أرض لبنان عدة حقائق، لعل أهمها: أن السلاح الذي يملكه حزب الله يفوق بكثير إمكانية أي حزب في الوطن العربي أن يملك جزءا يسيرا منه، وأن"إيران"هي من تزوده به. وإذا كان من حق حزب الله أن يملك هذا السلاح حسب مفهومه لهذا التملك، فإن من حق اللبنانيين أن يسألوا عن حقيقة دوافع إيران في إتاحة هذا الكم الهائل من هذا السلاح ليتملكه حزب الله؟

وإذا كنا نعتقد -ومن دون أدنى مداهنة أو تزلف- بأن لحزب الله الحق بأن يكون لديه هذا السلاح، فإننا نشك بدوافع إيران من وراء إتاحة هذا السلاح لكي يتملكه حزب الله، ونؤكد أن مواقف إيران هي تعبير حي للمثل المعروف"يكاد المريب أن يقول خذوني"، خصوصا بعد أن رأينا كيف قدمت إيران كل التسهيلات أمام واشنطن والتحالف الدولي في احتلال"أفغانستان."

وإذا كنا لا نوافق على كثير من سياسات"طالبان"في حكم أفغانستان، فإن هذا لا يبرر لنا أن نرضى بأن تقوم أي دولة خصوصا إذا كانت تزعم أنها ترفع راية الإسلام مثل إيران- بالمساعدة في إيقاع أي دولة إسلامية أو غير إسلامية تحت نير الاحتلال. وإذا كان التخبط السياسي لدولة ما يعتبر مبررا لتقديم المساعدة للأجنبي، فهذا يعني -حسب هذه القراءة المغلوطة- أن كثيرا من الدول العربية أو الإسلامية تستحق أن ترزح تحت الاحتلال الأجنبي.

وإذا كانت القراءة تبدو مشوشة بعض الشيء عند ما يأتي الحديث عن أفغانستان وما قدمته هذه الدولة أو تلك للتحالف الذي قادته أمريكا ضد طالبان، فإن ما قدمته"طهران"لواشنطن أثناء احتلالها بغداد، وما تفعله حاليا أجهزة مخابراتها وما يلوذ بها من ميليشيات تم إنشاؤها وتسليحها وتمويلها من قبل إيران من تدمير يلحق بكل شيء في العراق، فإن نوايا إيران في سورية ولبنان لا يخفي إلا على الأعمى.

على أن هذه المقدمات لا تعني أن نقول إن حزب الله، عندما أسر الجنديين الإسرائيليين، إنما كان بدافع إيراني صرف، لأن التسليم بهذه المقولة هو تسطيح واضح للموضوع. فلم يكن حزب الله، كما المنظمات الفلسطينية، يخفي سعيه وراء أسر جندي أو أكثر للمقايضة به على إطلاق سراح معتقلين لبنانيين، وربما فلسطينيين أيضا.

من يقرأ التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الإيراني"منو شهر متقي"أثناء زيارته الأخيرة إلى لبنان، وعبر فيها عن تحفظاته"عن خطة الحكومة اللبنانية الشاملة لحل النزاع القائم في لبنان"، كما جاء في خطاب الرئيس"فؤاد السنيورة"في روما حول المبادئ السبعة التي اعتمدها إجماع الحكومة بكامل أعضائها، يتأكد لديه أن"متقي"إنما كان يتكلم وكأن له في لبنان أكثر مما للحكومة اللبنانية. فقد قال السنيورة:"إن منوشهر متقي تجاوز الحدود وبعض الأطراف سارعوا إلى اعتماد موقفه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت