فهرس الكتاب

الصفحة 21626 من 27345

و قال الإمام القرطبي في تفسير الآية ذاتها مبينًا علّة الترخيص للقواعد من النساء في أن يضعن عنهن الجلابيب: ( إِنَّمَا خُصَّ الْقَوَاعِد بِذَلِكَ لانْصِرَافِ الأَنْفُس عَنْهُنَّ ؛ إِذْ لا مَذْهَب لِلرِّجَالِ فِيهِنَّ ، فَأُبِيحَ لَهُنَّ مَا لَمْ يُبَحْ لِغَيْرِهِنَّ ، وَ أُزِيلَت عَنْهُمْ كُلْفَة التَّحَفُّظ الْمُتْعِب لَهُنَّ ) .

قلت: إذا علم أن للقواعد من النساء فسحة في الترخص في اللباس ؛ فينبغي عدم التوسع في العمل بهذه الرخصة ، بل الواجب قصرها على ما ذهب إليه جمهور المفسرين و الفقهاء ، و هو عدم لبس الجلباب ( و هو الثوب الفضفاض الساتر الذي ترتديه المرأة فوق ثيابها عند الخروج من البيت ، أو لقاء غير المحارم من الرجال ) ، و هذا ما ذكره الطبري و القرطبي و ابن كثير و السيوطي ، و عامة المفسرين ، و عزوه إلى السلف الصالحين ، و ساقوا بأسانيدهم ما يدل على أنه فهم السلف للمراد من الآية و أقتصر من ذلك على جملة من الآثار في بيان المراد من كلام الملك الجبّار اقتبسها من تفسير الجلال السيوطي الموسوم بالدر المنثور في التفسير بالمأثور:

• أخرج ابن المنذر و ابن أبي حاتم و البيهقي في السنن عن ابن عباس في قوله ( و القواعد من النساء ) قال: هي المرأة لا جناح عليها أن تجلس في بيتها بدرع و خمار، و تضع عنها الجلباب ما لم تتبرج .

• و أخرج عبد الرزاق و الفريابي و عبد بن حميد و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الطبراني و البيهقي في السنن عن ابن مسعود في قوله ( فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن ) . قال: الجلباب و الرداء .

• و أخرج سعيد بن منصور و ابن المنذر عن ابن عمر في الآية قال: تضع الجلباب .

• و أخرج عبد بن حميد و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( و إن يستعففن خير لهن ) قال: يلبسن جلابيبهن .

• و أخرج سعيد بن منصور و ابن المنذر و البيهقي في السنن عن عاصم الأحول قال: دخلت على حفصة بنت سيرين و قد ألقت عليها ثيابها فقلت أليس يقول الله ( و القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحًا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن ) . قالت: اقرأ ما بعده ( و إن يستعففن خير لهن ) و هو ثياب الجلباب .

و بعدُ فلا يسوغ ما تعمد إليه بعض النساء اللائي تقدّمن في السنّ من التساهل في اللباس ، و إن كان الأشنع من هذا ما آلت إليه حال الكثيرات من فتيات المسلمين في شرق العالم و غربه من التبرج و السفور و مجارات الكافرات في اللباس و الزينة و الاختلاط و اتباع خطوات الشيطان .

فليحذر من رضي بالله ربًّا و بالإسلام دينًا و بمحمدًا صلى الله عليه و سلّم نبيًّا من الانحراف عن شريعة الله تعالى تحت أي ذريعة يتذرع بها المتساقطون أمام الشبهات و الشهوات ، فإن من يريد الفلاح و النجاح يدعُ ما لا بأس به خوفًا ممّا به بأس .

هذا و الله الهادي إلى سواء السبيل ، و بالله التوفيق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت