وقفتنا مع الفرقالشيخ إبراهيم بن عبد العزيز ...
الحمد لله رب العالمين ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ،ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أما بعد:
فلا يخفى على مسلم ما يعانيه المسلمون في شتى بقاع الأرض ،وطبيعي أن يلقى المسلمون عداوة ظاهرة من الكافرين قال تعالى: ( الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ) النساء -75- فهذه الآية تبين أصل العداوة بين المؤمنين والكافرين فهما حزبان لا يلتقيان الحزب الأول يقاتل في سبيل الله ، والآخر يقاتل في سبيل الشيطان وكلاً منهما يبذل أموالاً وأرواحاً في سبيل نصر وليه ، ولكن الغريب أن يصبح أولياء الله أحزاباً متناحرة بعضهم يكيد لبعض ، بل ووصل الحال في بعضهم أنهم أغمدوا سيوفهم ضد أعداء الله وأشهروها مشحونة بالغيظ ضد إخوانهم ،كفوا ألسنتهم عن اليهود والنصارى وأطلقوها سليطة على إخوانهم ، وهذا من أكبر المصائب التي تواجه الأمة ،وهو سبب مباشر لضعفها وفشلها قال تعالى: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) . الأنفال - 46- فالآية الكريمة تدل على حقائق تلمسها الأمة وتعايشها ، وتعتصر قلوب المؤمنين حزناً وألماً على مصابها ،فالله سبحانه ينهى الأمة عن التنازع ، وليس المقصود بالتنازع الاقتتال فحسب بل يشمل الخلافات الفكرية وغيرها كما في قوله تعالى: ( حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ) الأنفال -152- وهذه الآية الكريمة نزلت في حق المسلمين يوم أحد فبين الله سبحانه أن سبب فشلهم ما كان منهم في مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم ،ولم يكن تنازعهم رضي الله تعالى عنهم اقتتالاً بالسيوف بل مخالفة بعضهم لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهذا دليل على أن لفظ التنازع يدل على الخلاف وما فوقه ، وتنازع الأمة يؤدي إلى فشلها ،وها هي الأمة تتخبط في ظلمات الفشل والضعف وذهاب القوة والمنعة وتتشرذم في دياجير الذل والهوان حتى باتت لا يرى لها بصيص من الأمل في النجاة ، وإن كنا نعتقد جازمين أن العاقبة لها فذلك وعد الله سبحانه والله لا يخلف الميعاد ، ولكننا نتحدث عن واقع نعايشه واقع أصبح فيه الشر عائماً ، والفتن مائجة ، والخير متوارياً إلا في مسائل محدودة أو من وراء جدر خوفاً من بطش أولي الأمر الذين يحتضنون كل ما هو كيد للأمة وعقيدتها ، وهذا ما جعل كثيراً من الفرق الإسلامية تتطلع نحو الخروج من هذا الواقع المشؤوم لتحيى حياة إسلامية بعيداً عن الجاهلية ومتعلقاتها ، ولكن أنى ؟! وقد اختارت كل فرقة لنفسها طريقاً مغايراً لما عليه باقي الفرق ، بل تقف حيالهم بين الغلو والتفريط ناهيك عن الحقد والبغض والحسد الذي لا يكاد يفتر عنها، وتجتر في كبر واستعلاء مواقفها النبيلة المشرفة ،وتتغنى بإخلاص أفرادها وبطولاتهم مع وقوفها على قول الله سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً *انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً ) . النساء- 49 -50.
ولو تدبرت الفرق كلام الله سبحانه في وصفه للمؤمنين لأدركت أنها في منأى عن هذه الصفات ، فالله سبحانه ذكر وصف المؤمنين في كثير من الآيات ،من هذه الصفات قوله تعالى: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) . الفتح -29 .