فهرس الكتاب

الصفحة 25439 من 27345

رئيسي:فكر:الاثنين 13 ذو القعدة 1424هـ

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبيه ومصطفاه، أما بعد،،،

فأوصيكم و نفسي بتقوى الله، و أن نقدم لأنفسنا أعمالًا تُبَيِّض وجوهنا يوم نلقى الله: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ [88] إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [89] } [سورة الشعراء] . ثم اعلموا أن الحق و الباطل في خلاف دائم، و صراع مستمر، إلى أن يرث الله الأرض و من عليها، كل ذلك ليميز الله الخبيث من الطيِّب، فمنذ بَزَغَ نجم هذا الدين و أعداؤه من يهودٍ و نصارى و مشركين يحاولون القضاء عليه بكل ما يستطيعون: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [8] } [سورة الصف] .

حاول أعداء هذا الدين القضاء عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فما أفلحوا، وحاولوا في عهد الخلفاء الراشدين فما أفلحوا، ثم في العصور المُتَأَخرة إلى وقتنا هذا و هم يحاولون دائبين ؛ بالعنف و الصراع المُسلح تارة، و بالمكر والخداع و الخطط و المؤامرات تارة أخرى، ولسنا مجازفين عندما نقول ذلك ؛ فالله يقول:...وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا... [217] } [سورة البقرة] . ويقول سبحانه:وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ... [120] } [سورة البقرة] . هذه شهادة الله على أعدائنا بما يريدونه منا، و أَيُ شهادة أعظم من شهادة الله وأصدق . والتاريخ في ماضيه و حاضره يشهد بذلك، لكن أنَّى لهم أن يفلحوا ما تمسَّكنا بكتابنا وسُنَّةِ نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم.

يوم يُقلِّب المرء صفحات الماضي المجيد، ويتدبر القرآن الكريم، ثم ينظر لواقعنا، ويقارنه بماضينا؛ يتحسر يوم يَجِد البَوْن شاسعًا، يتحسر يوم يرى تلك الأمة وقد كانت قائدة، وإذا بها قد أصبحت تابعة، ثم يدرك أن السبب هو بُعدنا عمَّا كان عليه أسلافنا، ويتساءل المرء متى ينزاح هذا السواد الحالِك من الذل والمسكنة؟! متى يَنْبَرِي للأَمَّة أمثال خالد وصلاح والقعقاع ؟! متى تُحيَا في القلوب آل عِمران، والأنفالُ، وبَرَاءة؟!

وإنَّا لنرجُو اللهَ حتَّى كأنَّما نَرَى بِجَمِيلِ الظَّنِّ مَا اللهُ صَانِعُ

عَودًا سريعًا إلى الماضي المجيد لنستلهِم منه الدروس والعبر في هذا الحاضر العاثر، عَودًا لسيرة من لم يطْرِق العالم دعوة كدعوته، ما أحرانا و نحن في هذه الأيام العَصِيبة أن نخترق أربعة عشر قرنًا ؛ لنعيش يومًا من أيام محمد صلى الله عليه وسلم، بل ساعة من سُوَيْعاته الثمينة، لنأخذ العِبرة و الدروس من تلك الساعة في هذه الساعة:

اقرءوا التَّارِيخَ إِذْ فيه العِبَرْ ضَلَّ قَوْمٌ لَيْسَ يَدْرُونَ الخَبَرْ

عَوْدًا بكم إلى السنة التاسعة للهجرة؛ لنعيش معكم أحداث غزوة العسرة التي تساقط فيها المنافقون، وثبت فيها المؤمنون، وذَلَّ فيها الكافرون، ما السبب وما الأحداث؟ ما آيات النبوة فيها؟ ما الدروس المستفادة؟ إليكموها فاعتبروا بما فيها.

بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن الروم تتجمع لحربه ولتهديد الدولة الإسلامية في ذلك الوقت، يريدون مبادرته بالحرب قبل أن يبادرهم ؛ لكونه قد أذاقهم مرارة غزوة مؤتة التي جلبوا لها مائتيْ ألف، ولم يتمكنوا من إبادة ثلاثة آلاف مقاتل ؛ بل ولا هزيمتهم، فيا للَّه !!

كنا جبالًا في الجبال و ربما صرنا على موج البحار بحارًا

عند ذلك أعلن النبي صلى الله عليه وسلم ولأول مرة عن مقصده، وأعلن التعبئة العامة، فتجهز أقوام، وأبطأ آخرون، تجهز ثلاثون ألف مقاتل قد باعوا أنفسهم من الله، وأعلنوا نصرة لا إله إلا الله ..تساقط المنافقون، ومن يرد الله فتنته فلن تجد له سبيلًا . هاهو أحد المنافقين فَرَّ من الموت وفي الموت وقع، أعرض عنه- صلى الله عليه وسلم- وعذَره، لكن الذي يعلم خائنة الأعين، و الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فَضَحَهُ -وأذلَّه- وأنزل فيه قرآنًا يُتلى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا... [49] } [سورة التوبة] .

ويتخلف أناس آخرون عن الخروج، غلبتهم نفوسهم لصعوبة الظرف واشتداد الحرب . ويأتي سبعة رجال مؤمنون صادقون، لكنهم فقراء لم يجدوا زادًا ولا راحلة، وعز عليهم التخلف، نياتهم صادقة لكن ليس هناك عدة، فأتَوْا يقولون: يا رسول الله لا زاد ولا راحلة، ويبحث لهم صلى الله عليه وسلم عن زاد و راحلة، فلا يجد ما يحملهم عليه فيرجعوا تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ [92] } [سورة التوبة] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت