وبقي سؤال لا بد من طرحه، واستفهام ظل يتردد على الأذهان، ثائرا في كل مرة، لا يريد الاختفاء، وهو لماذا ركزت السورة على هذه التشريعات فقط؟ خاصة وأنها تتكرر كثيرا في سور آل عمران والنساء والمائدة، كما نجد ذلك في أحكام الميتة والميراث والوصايا، واللغو في الأيمان، وأحكام النساء، وغيرها، بتفصيل شديد، وشرح واف؟
ربما يعود سبب ذلك، إلى أن هذه التشريعات هي مما أصاب الأمم السابقة، خاصة بني إسرائيل فيها المشقة والعنت، بسبب أخطائهم وتحريفاتهم، فأراد الله أن يرفع عنها الشدة والمشقة، فذكرها هي بالتحديد، واستفاض في ذلك. ونحن نجد ما يدعم ذلك، خاصة في سورة الأعراف، الآيات 155 إلى 157، عندما اختار موسى لميقات ربه سبعين رجلا من قومه حتى يتوب عليهم، لما اتخذوا العجل، فسألوه العفو والرحمة، فأجابهم قائلا: {الذين يتبعون النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون الآية 157 }
فهذه التشريعات التي تذكرها السورة، لربما كانت هي التي وضعت فيها المشقة، فلذلك ذكرت بالتحديد رفعا للمشقة عنها، والعنت، وتيسيرها للناس.
وربما تكون هذه التشريعات أيضا، هي مما يتسبب في خراب الأمم، عند التساهل فيها، والاهتمام بغيرها، فيكون القرآن يلح عليها كثيرا، تنبيها إلى خطرها وعظم شأنها، حتى تتم المحافظة عليها والذود عنها.
وعلى كل فلا تناقض بين هذا وذاك، فسواء كانت وفق النظرة الأولى، أو الثانية، فهي من صميم المنهاج، ولا بد من تتبعها بالدراسة والبحث، وذلك بحثا عن أصولها الأنثروبولوجية، وجذورها النفسية والاجتماعية، حتى يتم التعرف على تطورها وصيرورتها، وعند ذلك نفهمها جيدا، ونستوعبها حقيقة، خاصة إذا قررنا أنها كانت في الأمم السابقة، قبل بني إسرائيل، على شكل من الأشكال، وعلى نحو من الأنحاء، كما لدى قوم شعيب، في الجانب الاقتصادي الذي أسهبت السورة في التشريع له، ثم أخذت في التطور والتقدم، من أمة إلى أمة، حتى اتخذت شكلها النهائي عند الأمة الخاتمة، وصارت منهجا كاملا، وصراطا سويا، لا بد من إعادة اكتشافه، حتى تتحقق شموليته مرة أخرى، مع الحضارة الحديثة، التي يبدو وكأنها جمعت كل سوأة مناقضة للمنهج، باستحلالها الربا، فصار له مؤسسات عولمية، وهيئات أممية، وبفسخها لعقد الزواج، فصارت الأسرة حيوانية، لا يجمعها سوى رباط الشهوة والضلال، وصار الدفاع عن الهوية والذات، إرهابا تكفره الدول، وتحتل باسمه ما تشاء من البقاع والأمم.
كذلك هناك تساؤل مشروع، ليس له جواب، هو تجربة إبراهيم عليه السلام في مسألة بعث الأموات، وجداله مع الملك حول الله، وكذلك تجربة العبد الصالح الذي مر بالقرية الميتة، فأماته الله مائة عام ثم بعثه، فهذه مسائل، لا نعرف مغزى وقوعها ضمن السورة، ولا بد أن ذلك يرقى على فهمنا البسيط للكتاب، والذي يتعالى عن كل فهم وتأويل، ليضل هو المهيمن والمسيطر، ولذلك، لا نقول إلا ما تقول الأمة في ختام السورة، مستسلمة مؤمنة، آخذة بالمنهج والعهد، لا تحيد عنه ولا تتبدله: { آمن الرسول بما أنزل من ربه والمؤمنون، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين } في خلاصة شاملة جامعة لكل السورة، وفي تمسك بالمنهج بلا حيد عنه، وفي استمساك بميزته السمحة اليسيرة، وطلب الرحمة والمغفرة.. اللهم اغفر لنا وارحمنا.آمين.