فهرس الكتاب

الصفحة 6846 من 27345

الحياة تحت راية القرآن (1 من 2)

القرآن يفتح الحواس للتفاعل مع الكون ويجدد الإحساس بوجود الذات

ما نكون في شأن من شؤون الدعوة، ولا نكتب في أمر من أمورها؛ إلا كان القرآن رائدنا؛ ذلك بأن القرآن هو دستور الدعوة، ومصدر هدايتها، ومائدة الله لعباده المؤمنين، ونوره المنزل من عنده على رسوله الأمين، وما تكلم متكلم، ولا دعا داعٍ إلى الربانية، بأحسن من الدعوة إلى مصدر هذه الربانية التي ننشد، وأساسها الذي تُبنى عليه: وكلام ربنا عز وجل، القرآن العظيم، وعلينا أن نعيش حول مائدة الرحمن، إن أردنا حيازة الربانية من مكان قريب.

إن الحياة مع القرآن هي الحياة مع الله، فالقرآن الحبيب كتاب الله المنزل، وكلامُهُ الموجَّه للإنسان، إلى نفسه وقلبه وفكره، وروحه. وهو كذلك حديث متصل من الله عز وجل، يصفه بأسمائه وصفاته وأفعاله... يصفه بقدرته المعجزة ورحمته الواسعة وعلمه الشامل... يصفه بكبريائه وجبروته... يصفه بمغفرته وحلمه ومعيته ورقابته... يصفه بكل ما تستطيع النفس البشرية أن تدركه من صفات الكمال والجلال.

وحين يعيش المسلم مع القرآن فهو يعيش مع الله، ويحس برحمته الواسعة وفضله الغامر الذي يتناوله بالرعاية فيرسل إليه رسوله الحبيب ص، ويقرئه كتابه المنزل يهدي به نفسه ويلمس مِنَّة الرب عليه.

لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (164) (آل عمران) ، أو حين تتبع الحديث المتصل في القرآن الكريم عن الله سبحانه وتعالى، وما أسبغه عليه من النعم الظاهرة والباطنة، يلمس ذلك ويحسه، إذ يسمع قول ربنا عز وجل: الرحمن (1) علم القرآن (2) خلق الإنسان (3) علمه البيان (4) (الرحمن) .

"بهذا الرنين الذي تتجاوب أصداؤه الطليقة المديدة المدوية في أرجاء هذا الكون، وفي جانب هذا الوجود: الرحمن، بهذا الإيقاع الصاعد الذاهب إلى بعيد، يجلجل في طبقات الوجود، ويخاطب كل موجود، ويتلفت على رنينها كل كائن، وهو يملأ فضاء السماوات والأرض، ويبلغ إلى كل سمع وإلى كل قلب، ويسكت، وتنتهي الآية، ويصمت الوجود كله، وينصت في ارتقاب الخبر العظيم بعد المطلع العظيم، ثم يجيء الخبر المرتقب الذي يحقق له ضمير الوجود.. علَّم القرآن.. هذه النعمة الكبرى التي تتجلى فيها رحمة الرحمن بالإنسان.. القرآن... الترجمة الصادقة الكاملة لنواميس هذا الوجود، ومنهج السماء للأرض الذي يصل أهلها بناموس الوجود، ويقيم عقيدتهم، وتصوراتهم، وموازينهم، وقيمهم، ونظمهم، وأحوالهم على الأساس الثابت الذي يقوم عليه الوجود، فيمنحهم اليسر والطمأنينة والتفاهم والتجاوب مع الناموس."

القرآن الذي يفتح حواسهم ومشاعرهم مع هذا الكون الجميل كأنما يطالعهم أول مرة فيجدد إحساسهم بوجودهم الذاتي كما يجدد إحساسهم بالكون من حولهم، ويزيد فيمنح كل شيء من حوله حياة نابضة تتجاوب وتتعاطف مع البشر، فإذا هم بين أصدقاء ورفاق أحبة حيثما صاروا أو أقاموا طوال رحلتهم على هذا الكوكب... القرآن الذي يقر في أخلادهم أنهم خلفاء في الأرض، أنهم كرام على الله، وأنهم حملة الأمانة... فيشعرهم بقيمتهم التي يستمدونها من تحقيق إنسانيتهم العليا" (الظلال 6-3446) ."

كفاية المؤمن

لقد تلقى الصحابة رضوان الله عليهم القرآن الكريم من فيّ رسول الله ص، وأشربته قلوبهم، واقشعرَّت منه جلودهم، ورطبت به ألسنتهم... وكان للقرآن الحبيب الأثر الكبير في نفوسهم.. أثر لا يعدله شيء، كيف وهو كلام الله تعالى؟ فقد روي عن عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه فيما أخرجه الحاكم:"كان عكرمة بن أبي جهل يأخذ المصحف فيضعه على وجهه ويبكي ويقول: كلام ربي كتاب ربي". وعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضوان الله عليه قال:"لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام ربنا عز وجل".

ولقد أدرك الصحابة الكرام الأطهار عظم نعمة القرآن الكريم، فتعاهدوه بالتلاوة وإدامة النظر، آناء الليل وأطراف النهار.. وعلم الصحابة الكرام فضل الله بإنزاله كلامه سبحانه وتعالى إليهم... واستشعروا قول الله تعالى: أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى"عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى"لقوم يؤمنون 51 (العنكبوت) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت