يقول الأستاذ سيد قطب يرحمه الله تعالى:"أو لم يكفهم أن يعيشوا مع السماء بهذا القرآن؟ وهو يتنزل عليهم، ويحدثهم بما في نفوسهم، ويكشف لهم ما حولهم، ويشعرهم أن عين الله عليهم، وأنه معنيٌّ بهم حتى ليحدثهم بأمرهم، ويقص عليهم القصص ويعلمهم.. وهم هذا الخلق الصغير الضئيل التائه في ملكوت الله الكبير، وهم وأرضهم وشمسهم التي تدور عليها أرضهم.. ذرات تائه في هذا الفضاء الهائل، لا يمسكهن إلا الله، والله بعد ذلك يكرمهم حتى لينزل عليهم كلماته تتلى عليهم... والذين يؤمنون هم الذين يجدون حس هذه الرحمة في نفوسهم، وهم الذين يتذكرون فضل الله عليهم، وعظيم منته على هذه البشرية بهذا التنزيل، ويستشعرون كرمه وهو يدعوهم إلى حضرته، وإلى مائدته، وهو العلي الكبير، وهم الذين ينفعهم هذا القرآن، لأنه يحيا في قلوبهم ويفتح لهم من كنوزه ويمنحهم ذخائره، ويشرق في أرواحهم بالمعرفة والنور" (الظلال) .
هذه النعمة وهذه الكفاية القرآن الكريم لَلمسلم المعاصر أشد حاجة إلى تذوقها وتنسم عبيرها، والعيش في رحابها، إذ الواقع المعاصر المادي أشد ضغطًا وقوة مما كانت عليه حياة سلف الأمة الأطهار، ومن ثمَّ فإن تذوق معاني القرآن الكريم والعيش بها سيكون بتوفيق الله تعالى، متناسبًا مع قوة الحياة المادية المعاصرة... وهذا لكون القرآن الكريم كتاب هذه الأمة الخالد... وليقول المسلم ساعتئذ لو أن أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي خير كبير... إذ هو يعيش في كلام ربه الحبيب.
تكامل... وانسجام
خلق الله تعالى الإنسان من طين لازب، ثم نفخ فيه من روحه: فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين 29 (الحجر) . وأنزل عليه روحًا من أمره: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان (الشورى:52) ، فتلتقي نفخة الروح في الإنسان مع القرآن من الرحمن فيكون الانسجام... انسجام بين الروحين، يصنع التكامل في الكيان الإنساني... والروح التي أودعها الله في الإنسان ليعتريها كثير من الهزل والضعف، وتتأثر بطغيان حمأة الطين عليها، وبضغط المادة من حولها!.
فلا تعود للروح إشراقتها، وللنفس طمأنينتها، وللإنسان إنسايته إلا بالروح، القرآن الكريم، لتنزع الروح الإنسانية من عالم المادة والشهوات إلى عالم الطهر والقداسة. هذا القرآن:"فيه نبأ من قبلكم، وخبر من بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه. من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم".
وذكر الإمام ابن كثير في فضائل القرآن أنه"كلام حسن صحيح يُنسب للإمام على".
في هذا القرآن ما تعود به روح الإنسان إلى هديها الأول، الإنسان الذي علمه ربه البيان... فكان هذا القرآن غاية البيان... فالقرآن يخاطب روح الإنسان:"فالألفاظ إذا اشتدت فأمواج البحار الزاخرة، وإذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة، تذكر الدنيا فمنها عمادها ونظامها، وتصف الآخرة فمنها جنتها وصرامها، ومتى وعدت من كرم الله جعلت الثغور تضحك في وجوه الغيوب، وإن أوعدت بعذاب الله جعلت الألسنة ترعد من حمى القلوب..." (إعجاز القرآن للرافعي) .
والقرآن الكريم"الروح"تلمس روح الإنسان بهديها وهداياتها..."بمعان بيان هي عذوبة توريك من ماء البيان، ورقة تستروح منها نسيم الجنان، ونور به مرآة الإيمان في وجه الأمان... وبينا هي ترف بندى الحياة على زهرة الضمير، وتخلق في أوراقها من معاني العبرة معنى العبير، وتهب عليها بأنفاس الرحمة فتنم بسر هذا العالم الصغير... ثم بينا هي تتساقط من الأفواه تساقط الدموع من الأجفان، وتدع القلب من الخشوع كأنه جنازة ينوح عليها اللسان، وتمثل للذنب حقيقة الإنسانية حتى يظن أنه صنف آخر من الإنسان، إذ هي بعد ذلك أطباق السحاب وقد انهارت قواعده والتمتعتْ ناره وقصفت في الجو رواعده، وإذ هي السماء وقد أخذت على الأرض ذنبها، واستأذنت في صدمة الفزع ربها، فكادت ترجف الراجفة تتبعها الرادفة: وإنما هي عند ذلك زجرة واحدة: فإذا الخلق طعام الفناء وإذا الأرض"مائدة") (إعجاز القرآن الرافعي) ."
هكذا تعود للروح روحها الحقيقية، ويحدث التكامل في كيان الإنسان... عقله وروحه... جسده وعاطفته... مشاعره وأحاسيسه... هكذا فقط يعود المسلم لنفسه بتعاهده لها بالقرآن الكريم: كتاب الله.