فهرس الكتاب

الصفحة 6848 من 27345

وقد وفق الله تعالى الشيخ حسن البنا يرحمه الله إذ أراد أن يعرّف أتباعه ماهية جماعته فقال:"أيها الإخوان: أنتم لستم جمعية خيرية، ولا حزبًا سياسيًا، ولا هيئة موضوعة لأغراض محددة المقاصد، ولكنكم روح جديد يسري في قلب الأمة، فتحييه بالقرآن، ونور جديد يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله، وصوت دوي يعلو مرددًا دعوة الرسول ص" (مجموعة الرسائل) .

فالدعوة المعاصرة روح تسري في جسد هذه الأمة، فتحييه بالقرآن، وقبل أن تشع هذه الروح على الأمة لابد أن يعكف المسلم الداعية العامل على القرآن الكريم، لتعود روحه إليه، وليكون منه تعاهد دائم لها، ثم يأذن له في السريان في جسد هذه الأمة... ليس قبل... وبالقرآن الكريم فقط تكون روح الداعية المؤمن متصلة بالسماء، وله ذكر، وكذلك لدعوته في الأرض، فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول ص:"أوصيك بتقوى الله تعالى فإنه رأس كل شيء، وعليك بذكر الله تعالى وتلاوة القرآن، فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض" (صححه الألباني في صحيح الجامع) .

نور على نور.. ثم نور

من أوصاف القرآن الكريم أنه"نور". قال تعالى: يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا 174 (النساء) . فهو"نور تتجلى تحت أشعته الكاشفة حقائق الأشياء واضحة، ويبدو مفرق الطريق بين الحق والباطل محددًا مرسومًا... في داخل النفس، وفي واقع الحياة سواء... إذ تجد النفس من هذا النور ما ينير جوانبها أولًا فترى كل شيء فيها ومن حولها واضحًا... حيث يتلاشى الغبش وينكشف وحيث تبدو الحقيقة بسيطة كالبديهية، وحيث يعجب الإنسان من نفسه كيف كان لا يرى هذا الحق وهو بهذا الوضوح وهذه البساطة؟"

وحين يعيش الإنسان بروحه في الجو القرآني فترة، يتلقى منه تصوراته وقيمه وموازينه، يحس يُسرًا وبساطة ووضوحًا في رؤية الأمور، وشعر أن مقررات كثيرة كانت قلقة في حسه قد راحت تأخذ أماكنها في هدوء، وتلتزم حقائقها في يسر، وتنفي ما علق بها من الزيادات المتطفلة لتبدو في براءتها الفطرية، ونصاعتها كما خرجت من يد الله". (في ظلال القرآن) ."

هذا"سيد قطب"يصف ذلك النور، والمسلم الحريص على نور رب العالمين ليجد ذلك النور، يجده في حنايا نفسه، وإنه ليعجز عن الإتيان بألفاظ تعبر عن معاني النور التي يقذفها الله في قلبه... إذ هو عاكف على كتاب الله عز وجل.

ويصور ربنا"نور السموات والأرض"نوره في قلب المؤمن الذي عمر قلبه بالإيمان، وعمَّر العبد قلبه بالقرآن، فيقول عزَّ من قائل: الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على"نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم 35 (النور) ."

والمشكاة هي: الكوة في الجدار، والمصباح هو السراج، والزجاجة هي القنديل الذي يحوي السراج المنير... وهذه الأجزاء الثلاثة في المثل تقابل الإنسان المؤمن في ثلاثة أشياء: جسده وقلبه والنور الذي في قلبه، فالجسد تقابله المشكاة والقلب تقابله الزجاجة والنور يقابله السراج.

والزجاجة التي تحتوي المصباح، أي القلب الذي يحتوي النور شُبه في شدة نوره بالكوكب المضيء الذي يشبه الدر لفرط ضيائه وصفائه، وقد جمع هذا التشبيه الجسد والقلب، وشبههما بالكوكب الدري للدلالة على شدة الصفاء والنور.

وهذا النور المضيء إنما يستمد نوره من شجرة مباركة تكاد تضيء لوحدها... لأنها من نور السماوات والأرض... نور على نور... نور القرآن الكريم ونور الإيمان. (تربيتنا الروحية لسعيد حوى) .

وبهذا... لا مدد ولا حياة للقلب من غير القرآن... والحياة مع القرآن، فالقرآن هو المدد الدائم، والزاد المستمر للقلب، الذي به يبقى سراجه مشتعلًا والإنسان مهتديًا، وبقدر حياة القلب بالقرآن بقدر زيادة اجتماع قلبه وإضاءته.

وحين تسري ينابيع الحياة في القلب بصفاء القرآن وهديه، ينصبغ المسلم كله بهذا القرآن، ويكون مُنور القلب والجسد، لتكون بالتالي خطوة أخرى مكملة هي في قوله تعالى: أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها (الأنعام:122) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت