هذا هو دور القرآن... فبعد أن أنار جسد المؤمن وقلبه، يجعل له نورًا يتحرك لدعوة الناس إلى هدى الله، إلى نور الله، نور السموات والأرض... ولعل من مشكلات الدعوة اليوم أن كثيرًا من أبنائها قيل لهم إنهم دعاة إلى الله، وقُذف بهم لزهق الباطل، وهم في أنفسهم غير متحققين بأنوار القرآن وهداياته التي لا تنقضي... لكنه القدر المطلوب والحد الأدنى من علاقة المسلم بكتاب الله تعالى... ثم تكون الانطلاقة بالدعوة إلى هذا النور والدعاية... ساعتئذ تنير القلب بنور الله نورًا من بين يديه ومن خلفه، لتكون بعد كلماته نورًا من ربه، تصل إلى الناس، وتدعوهم إلى صراط العزيز الحميد، وما كان من القلب وصل إلى القلب، وما كان من اللسان لم يجاوز الآذان.
احذر من الجفوة والقطيعة مع مصدر الهداية والرقي الحياة تحت راية القرآن (2 2) الخطوة الأولى في الحياة مع القرآن الكريم، تلك الحياة التي تبارك العمر وتزكيه وتنميه، هي إدامة التلاوة لكلام الله المعجز، القرآن الكريم، فكلما كان المسلم على علاقة قوية به، ازداد شوقًا للمزيد، إذ القرآن لا يخلق من كثرة الرد، ولا تمله نفوس المؤمنين.
من أجل إدامة الصلة مع القرآن لتدوم الحياة مع الله تعالى تجد الرسول ص يوصي بدوام التلاوة والتعهد للقرآن الكريم، ويحذر من الجفوة والقطيعة بين المسلم ومصدر الهداية والرقي. هذه بعض أحاديث: تشحذ الهمم لتلاوة القرآن الكريم، وتبين أجر المسلم على ذلك وسموه. قال رسول الله ص:"اقرأوا القرآن، فإنكم تؤجرون عليه، أما إنني لا أقول آلم حرف، ولكن ألف عشر ولام عشر وميم عشر، فتلك ثلاثون" (صحيح الجامع 1164) .
وقال ص:"إن لله تعالى أهلين من الناس، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته". (صحيح الجامع 1265) .
وقال ص:"مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة، طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها". (البخاري) .
الميدان الأول
القرآن الكريم ميدان المؤمن الأول لجمع الحسنات والأجر من عند الله تعالى، وهو الوحيد الذي يجعل المسلم ينتسب إلى الله، وهو ريح المؤمن وطعمه، وهو روح المؤمن في السماء، وذكره في الأرض.
ضرب لنا سلفنا الصالح أمثلة رائعة على علو كعبهم في تلاوة آيات الكتاب الكريم، واستجابوا لتوجيهات النبي الأمين عليه الصلاة والسلام بتعهد قلوبهم بالقرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار، حتى إن بعض أولئك السلف الأطهار كان يختم القرآن في ليلة، ومنهم من يختمه في أقل من ثلاث ليالٍ، ومنهم من يختمه في سبع، ومنهم في عشر، وفي كل أحاديث صحاح. (راجع صلاح الأمة في علو الهمة 3-10 وما بعدها) .
إلا أننا ونحن ننشد العيش مع القرآن والحياة مع الله، نسعى إلى ربانية نقية خالصة، ونحن نعاني من بعدنا عن كلام الله، ونتأثر بالبيئة من حولنا، كل ذلك يجعل المسلم يفكر في أمر قلبه ونفسه وآخرته وروحه، ثم في أمر دعوته التي يريد لها القبول، على المسلم أن يفكر في ذلك كله ويحدد لنفسه وردًا يوميًا من كتاب الله تعالى لا يفتر عنه ولا يتكاسل ولا يتركه لأي سبب كان. وعلى المسلم أن يقتدي كذلك بسلفه الصالح، ويضرب معهم بسهم وافر في حياتهم مع القرآن الكريم، وعلو همتهم في تلاوة كتاب الله تعالى.
إن هذا القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .. كلام رب متصف بصفات الكمال والجلال منزه عن النقص والمثال، نزل به الروح الأمين على قلب خير الخلق أجمعين، فبلغه على أكمل حال. وهذا القرآن ينشئ مسلمًا متصفًا بصفات عليا، تؤهله لأداء دوره الكبير من بعد أن أكرمه الرحمن بالقرآن وجعله نورًا على نور بسند عالٍ وبصورة ناصعة البياض، أفبعد هذا يترك القرآن الحبيب العجيب، ولا يتعهده صباح مساء، ونسمع دعاء الرسول ص ونداءه وهو السراج المنير: وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا (30) (الفرقان) . إن هذا القرآن ليفرق بين المرء وعادته، وينفذ حتى ينصرف بين القلب وإرادته، ويجري في الخواطر كما تصعد في الشجر قطرات الماء، ويتصل بالروح فكأنما يمدها بسبب من السماء، لا جرم أن القرآن سر السماء، فهو نور الله في أفق الدنيا حتى تزول، ومعنى الخلود في دولة الأرض إلى أن تدول.
ويظل الحديث عن القرآن ذا شجون لحياة قلوبنا، والرقي بها في معارج القبول، وما من عنصر إلا وهو مقلب صفحة منه حتى لتنتهي الدنيا عند خاتمته فإذا هي البداية.