فهرس الكتاب

الصفحة 16127 من 27345

رحلة الإيمان: النداء المهيب

أخيتي الحبيبة: تأهبي معي لاستئناف المسير في رحلتنا إلى دار القرار، والتي بدأناها في المقالات السابقة، وها نحن في هذه المقالة نتابع المسير، ونصل إلى محطة هامة، نصل إلى ذلك النداء المهيب، إنه نداء العرض على ديان السموات والأرض، والذي تبدأ معه محكمة العدل الإلهية النظر في ملفات العباد.

يومئذ تعرضون لا تخفي منكم خافية:

قد رأينا أخيتي فيما سبق كم يحبنا النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا يتركنا -بأبي هو وأمي - يوم القيامة؛ فيشفع لنا لبدء الحساب، ويسقينا من نهر الكوثر شربة لا نظمأ بعدها أبدًا، وأكرر عليك السؤال: هذا ما قدم نبيك لكِ، فماذا قدمت له؟؟؟

وفي ذلك اليوم العظيم، وذلك المشهد الرهيب، يأذن تبارك وتعالى ببدء الحساب، والعرض عليه جل وعلا.

ويفاجأ كل عبد بنداء مهيب، من قبل ملائكة الجبار جل وعلا: يا فلان بن فلان، قم وتهيأ للعرض على ديان السماوات والأرض، وساعتها حين يحين دورك، ستعرفين أخيتي أنك المقصودة بهذا النداء ، ولو تشابه اسمكِ مع ملايين النساء الأخريات.

قال رسول صلى الله عليه وسلم: [[ ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه؛ فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه؛ فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه؛ فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة ] ]. رواه البخاري.

وحينها تنصب محكمة العدل الإلهية، محكمة عظيمة مهيبة، لا كمحاكم الدنيا، محكمة قاضيها هو الله، الحكم العدل، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.

وشهودها كثيرون جدًا، من ملائكة كرام كاتبين، وأرض تحدث بما ارتكب عليها من خير أو شر، وجوارح وأعضاء، تحدث بما ارتكبت من الفضائح، وفي هذه المحكمة لا نقض ولا استئناف، بل يظهر الحكم النهائي فورًا في نفس المحاكمة من الله الحكم العدل على عبده بالانضمام إلى أحد أصناف ثلاثة:

الصنف الأول: إلى الجنة بغير حساب:

فمن المؤمنين قمم أفذاذ، لا يحتاجون إلى حساب لتَثبُت استقامتهم على درب الإيمان، إنهم الذين صاموا في الدنيا عن كل ما حرم الله، وجعلوا فطرهم في جنات عدن، عند مليك مقتدر.

تاجروا مع الله تعالى التجارة الرابحة، باعوا أنفسهم وأموالهم لمن وهبهم إياها بسلعة الله الغالية التي هي الجنة، فربح البيع، ربح البيع، لسان حالهم يعبر عنه الإمام ابن المبارك رحمه الله، حينما انبرى يدفع عن الدين، باذلًا نفسه في سبيل ربه، فقال:

بغض الحياة وخوف الله أخرجني وبيع نفسي بما ليست له ثمنًا

إني وزنت الذي يبقى ليعدله ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا

يصفهم سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم بقوله: [[ ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفًا -أو سبعمائة ألف- متماسكون آخذ بعضهم بعضًا، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر ] ]. رواه البخاري.

ولا تيأسِ أخيتي- من قلة العدد- فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبث الأمل في قلبكِ، ويزيد فرصتك في اللحاق بهم، فيقول صلى الله عليه وسلم:

[[ أعطيت سبعين ألفًا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي عز وجل؛ فزادني مع كل واحد سبعين ألفًا ] ]. صححه الألباني في صحيح الجامع.

بل وتعالي لنرفع الأمل في قلبك إلى عنان السماء، بهذا البيان الثالث من الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم إذ يقول: [[ وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا، بلا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون، وثلاث حثيات من حثيات ربي ] ]. صححه الألباني في صحيح الجامع.

أما وقد تشوقت لهم، ورجوتِ أن تكون منهم؛ فإليكِ صفاتهم العكَّاشية على لسان سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، إذ ينبيك عنها فيقول في حديث طويل:

[[ قال: كانوا لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام إليه عكاشة بن محصن، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: فأنت منهم، ثم قام إليه رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة ] ]. رواه البخاري.

فتوهمي أخيتي أنكِ منهم، كم سيكون فرحكِ وأنتِ تسيرين وسط هذه الكوكبة من أهل كرامة الله ورضوانه، مبيضَّة وجوهم ، مشرقة برضا الله ، مسرورون فرحون مستبشرون ؟؟!!

فبالله عليكِ، هل يساوي هذا النعيم الخالد أن يباع بأي متعة زائلة؟؟؟

الصنف الثاني: فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا:

وأما الزهرة الصالحة، أما المؤمنة التقية، أما من عرفت الطريق إلى الله في الدنيا؛ فهنالك تجد برد الوصول، فهذه من أصحاب العرض على الله أو الحساب اليسير، كما أخبرنا صلى الله عليه وسلم حين قال: [[ من حوسب يوم القيامة عذب ] ]، فقالت عائشة رضي الله عنها: أوليس يقول الله تعالى: [[ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ] ] قال صلى الله عليه وسلم: [[ ليس ذلك بالحساب، إنما ذلك العرض ] ]. صححه الألباني في صحيح الجامع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت