فهرس الكتاب

الصفحة 11282 من 27345

النكتة عند العلماء محمد خليفة صديق*

الدعابة والنكتة بالحق، والسخرية التي تحمل ملامح الحكمة ليست مقصورة على فئة دون أخرى في المجتمع.. وقد تميز عدد من العلماء بالدعابة والحكمة في الرد على التساؤلات، والتعامل مع بعض المواقف.

ومن أجمل ما يذكر في هذا الصدد سؤال أحدهم للإمام الشعبي: ماذا كانت تسمى زوجة إبليس؟!؛ فقال الشعبي: ذلك عرس لم نشهده.

والجاحظ كان كثير الدفاع عن الضحك؛ مبينًا أثره في حياة الإنسان، وأنه جزء من طبيعته؛ فيقول: ولو كان الضحك قبيحًا من الضاحك، وقبيحًا من المضحك لما قيل للزهرة، والحبرة، والحلي، والقصر المبني: كأنه يضحك ضحكًا!!.. وقد قال الله جل ذكره: (وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا) ؛ فوضع الضحك بحذاء الحياة، ووضع البكاء بحذاء الموت).

ثم يمضي الجاحظ في حديث طويل يحتج فيه للضحك، ويدافع، ويبين أثره، وقيمته؛ ولكنه مع ذلك يضع للضحك حدودًا، وأنه لا ينبغي لأحد أن يجاوز هذه الحدود؛ يقول الجاحظ: وللضحك موضع، وله مقدار، وللمزح موضع، وله مقدار؛ متى ما جاوزهما أحد، وقصر عنهما أحد صار الفاضل خطلًا، والتقصير نقصًا؛ فالناس لم يعيبوا الضحك إلا بقدر، ولم يعيبوا المزح إلا بقدر، ومتى أريد بالمزح النفع، وبالضحك الشيء الذي جعل له الضحك صار المزح جدًا، والضحك وقارًا.

وهكذا نرى أن فلسفة الجاحظ في ضحكه، وإضحاكه فسلفة عميقة، واعية، تعتمد على أس فكرية ونفسية سبق بها كثيرًا من المفكرين؛ فلقد قرر الجاحظ أن الإنسان لا يضحك منفردًا بمقدار ما يضحك إذا تجاوب معه آخرون؛ وشاركوه في الإحساس بالشيء المضحك؛ حيث يقول علماء النفس: إن الضحك سلوك اجتماعي؛ يقوم به الإنسان، ويؤدي في حياة الأفراد والجماعات وظيفة نفسية هامة من وظائف الاتزان العاطفي، وهو السبيل إلى تحقيق ضرب من التكامل النفسي والاجتماعي.

ومن ثم فالجاحظ يقرر أن الضحك يحتاج إلى وجدانية من الآخرين، ويفهم ذلك من خلال ما قاله في حكاية قصته مع محفوظ النقاش البخيل الذي يدعي الكرم خشية تهكم الجاحظ وسخريته منه؛ قال الجاحظ: صحبني محفوظ النقاش من مسجد الجامع ليلًا؛ فلما صرت قرب منزله سألني أن أبيت عنده؛ وقال: أين تذهب في هذا المطر والبرد؟!، ومنزلي منزلك!!، وأنت في ظلمة وليس معك نار!!، وعندي لبأ - اللبأ هو اللبن الذي ينزل بعد ولادة الغنم، وغيرها مباشرة - لم ير الناس مثله، وتمر ناهيك به جودة؛ لا تصلح إلا له.. فملت معه؛ فأبطأ ساعة، ثم جاءني بجام لبأ، وطبق تمر؛ فلما مددت يدي قال: يا أبا عثمان! إنه لبأ وغلظة، وهو الليل وركوده، ثم ليلة مطر ورطوبة، وأنت رجل قد طعنت في السن، ولم تزل تشكو من الفالج طرفا، وما زال المرض يسرع إليك، وأنت في الأصل لست بصاحب عشاء؛ فإن أكلت اللبأ ولم تبالغ كنت لا آكلًا ولا تاركًا، وحرشت طباعك، ثم قطعت الأكل أشهى ما كان إليك، وإن بالغت بتنا في ليلة سوء من الاهتمام بأمرك، ولم نعدّ لك نبيذًا ولا عسلًا؛ وإنما قلت هذا الكلام لئلا تقول غدًا: كان وكان.. والله قد وقعت بين نابي أسد؛ لأني لو لم أجئك به وقد ذكرته لك قلت: بخل به، وبدا له فيه.. وإن جئت به ولم أحذرك منه، ولم أذكر لك كل ما عليك فيه قلت: لم يشفق عليّ، ولم ينصح.. فقد برئت من الأمرين جميعًا؛ فإن شئت فأكلة وموتة، وإن شئت فبعض الاحتمال ونوم على سلامة!!..

فما ضحكت قط كضحكي تلك الليلة، ولقد أكلته فما هضمه إلا الضحك، والنشاط، والسرور؛ فيما أظن.. ولو كان معي من يفهم طيب ما تكلم به لقضى الضحك عليّ، ولكن ضحك من كان وحده لا يكون على قدر مشاركة الأصحاب اهـ.. (من كتاب البخلاء) .

فهذه العبارة الأخيرة التي ختم بها الجاحظ حديثه عن محفوظ النقاش تدل على أن الجاحظ يقرر أن الضحك مشاركة جماعية؛ فالإنسان لا يضحك إلا في وجود جماعة، ومن ثم فالجاحظ يسبق برجسون في هذا الرأي الذي يرى أن الإنسان ما كان يمكن أن يقدر المواقف المضحكة، أو يتذوق النكتة الطيبة لو أنه كان يشعر بأنه يحيى في عزلة من الناس؛ وذلك لأن الضحك بطبيعته في حاجة إلى أن يردد أصداءه، وينشر إشعاعاته؛ فهو في صميمه ظاهرة اجتماعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت