من هو الحر؟ وما حقيقة الحرية ؟
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين، وبعد.
فإنَّ كثيرًا من الألفاظ والمصطلحات التي يتناولها كثيرٌ من الناس اليوم، تحتاجُ إلى تحريرٍ وتدقيق، وإلى أن تعرض على موازين الشرع، وتضبط بضوابطه، وبدون ذلك تختلط المفاهيم، وتنحرف القيم، وتختل النظرات والموازين، وتسمى الأشياء بغير أسمائها وحقيقتها، مما ينشأ عنه الخلل في التصورات والانحراف، في الأخلاق والقيم.
ومن بين هذه الألفاظ والمصطلحات التي تحتاج إلى تحريرٍ وضبط، ووزنٍ لها بالميزان الشرعي، الذي ينطلق من عقيدة التوحيد: مصطلح التحرر والحرية، فما هو الميزان الشرعي لهما؟ ومن هو الحرُّ الحقيقي في ميزان الشرع العظيم؟
إنَّ الحريةَ الحقيقية في ميزان الشرع، هي حرية القلب.
والعبودية الحقيقية، هي عبودية القلب، فمن أخلص عبوديته لله عز وجل، وخلص من عبودية الخلق، فهذا هو الحر حقيقة، وذلك لتحرر القلب من عبودية الخلق، والعكس من ذلك، من ترك عبادة الله عز وجل أو قصر فيها، فلا بد أن تسترقَ القلب عبودية المخلوق، حسب ما تعلق به القلب من العبوديات لما سوى الله عز وجل، أمَّا عبودية البدن أو حريته، فليست هي الميزان الحقيقي للعبودية والحرية، إذ قد يكونُ الإنسان مملوكًا لإنسانٍ آخر، لكنه أخلصَ عبوديتهُ لله عز وجل، فصار بذلك حُرًّا من عبوديةِ ما سوى الله عز وجل، وقد يكونُ الإنسان سيدًا وملكًا لكنهُ في الحقيقة مسترقُ القلب، عبدًا لشهوتهِ أو هواهُ أو زوجته، أو منصبه أو جنودهِ وأتباعه.
إذن فالمقصودُ بالحرية والعبودية هنا حرية القلب وعبوديته، لا حريةَ البدن وعبوديته.
يقولُ شيخ الإسلام- رحمه الله تعالى-: (( إذ الرق والعبودية في الحقيقة: هو رقُّ القلب وعبوديته، فما استرق القلب واستعبده، فالقلبُ عبده، ولهذا يقال: العبدُ حُرٌ ما قنع، والحرُ عبدٌ ما طمع، وكلما قوي طمعُ العبد في فضل الله ورحمته ورجائهِ، لقضاءِ حاجتهِ، ودفعِ ضرورته، قويت عبوديته وحريته عمَّا سواه، فكما أن طمعه في المخلوق يوجبُ عبوديته له، فيأسهُ منه يوجب غنى قلبه عنه، فإنَّ أسرَ القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإنَّ من استعبد بدنهُ واسترق وأسر، لا يبالي ما دام قلبهُ مستريحًا من ذلك مطمئنًا، بل يمكنهُ الاحتيال في الخلاص، وأما إذا كان القلب الذي هو ملك الجسم رقيقًا مستعبدًا، متيمًا لغير الله، فهذا هو الذلُ والأسر المحض، والعبودية الذليلة لما استعبد القلب، فالحرية حريةُ القلب، والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( ليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس ) ) ( [1] ) ( [2] )
ويقول في موطنٍ آخر: (( وكل من علق قلبه بالمخلوقين أن ينصروه أو يرزقوه أو يهدوه، خضع قلبه لهم وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك، وإن كان في الظاهر أميرًا لهم متصرفًا بهم، فالناظرُ ينظرُ إلى الحقائق لا إلى الظواهر، فالرجلُ إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له، يبقى قلبه أسيرًا لها، تحكمُ فيه وتتصرف بما تريد، وهو في الظاهر سيدها لأنَّهُ زوجها، وفي الحقيقة هو أسيرها ومملوكها، لا سيما إذا درت بفقرهِ إليها وعشقه لها، وأنَّهُ لا يعتاض عنها بغيرها، فإنَّها تحكم فيه حينئذٍ حكم السيد القاهر، الظالم في عبده المقهور الذي لا يستطيع الخلاص منه..«( [3] ) .
ويقولُ في موطنٍ ثالث: عن مستعبد القلب لغير الله تعالى:(فتارةً تجذبه الصور المحرمة وغير المحرمة، فيبقى أسيرًا عابدًا لمن لو اتخذه هو عبدًا له لكان ذلك نقصًا وعيبًا وذمًّا.
وتارةً يجذبه الشرفُ والرئاسة، فترضيهِ الكلمة وتغضبه الكلمة، ويستعبدهُ من يثني عليه ولو بالباطل، ويعادي من يذمه ولو بالحق.
وتارةً يستعبدهُ الدرهم والدينار، وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوب، والقلوب تهواها، فيتخذ إلهه هواه، ويتبعُ هواه بغير هدىً من الله.
ومن لم يكن مخلصًا لله عبدًا له، قد صار قلبه مستعبدًا لربه وحده لا شريك له، بحيث يكون هو أحب إليه مما سواه، ويكون ذليلًا خاضعًا له، وإلا استعبدته الكائنات، واستولت على قلبه الشياطين، وكان من الغاوين إخوان الشياطين) [4] .
ويقولُ سيد قطب- رحمه الله تعالى-: (( إنَّ الدينونة لله تعالى تحرر البشر من الدينونة لغيره، وتخرجُ الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، وبذلك تحقق للإنسان كرامته الحقيقية وحريته الحقيقية، هذه الحرية وتلك الكرامة اللتان يستحيل ضمانهما في ظل أي نظامٍ آخر غير النظام الإسلامي، والذين لا يدينون لله وحده يقعونَ من فورهم في شر ألوان العبودية لغير الله، في كل جانب من جوانب الحياة، إنَّهم يقعون فرائسَ لأهوائهم وشهواتهم بلا حد ولا ضابط«( [5] ) .