فهرس الكتاب

الصفحة 7379 من 27345

الرؤى وأضغاث الأحلام 8/7/1425

أ. د .ناصر بن سليمان العمر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

إن سورة يوسف نستطيع أن نقول: إنها سورة الرؤى، فقد ورد في القرآن ذكر سبع رؤى في ستة مواضع؛ ثلاثة مواضع اشتملت على أربعة رؤى جاءت في سورة يوسف، وهي قول الله _تعالى_:"إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إني رأيت" (يوسف: من الآية4) ، وذكر رؤياه.

ثم الموضع الثاني، وفيه رؤيتي صاحبي السجن الذين ذكرا له ما رأيا، وكل واحد منهم رأى رؤيا غير التي رآها صاحبه.

ثم جاءت الرؤيا الرابعة في الموضع الثالث من السورة، وهي رؤيا الملك وتلك رؤية عظيمة جدًا، فهذه ثلاثة مواضع اشتملت على أربعة رؤى كلها في سورة يوسف.

وفي بقية القرآن نجد في سورة الأنفال ذكر الرؤيا في قول الله _تعالى_:"إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ" (لأنفال: من الآية43) .

ثم في الصافات في قصة إبراهيم مع إسماعيل _عليهما السلام_ قال الله _عز وجل_:"فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ" (الصافات: من الآية102) .

والموضع السادس والأخير جاءت فيه الرؤيا السابعة، وهي رؤيا النبي _صلى الله عليه وسلم_ التي أخبر الله _جل وعز_ عنها في سورة الفتح، فقال _سبحانه_:"لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ" (الفتح: من الآية27) .

هذه سبعة رؤى في القرآن، وقد يتساءل متسائل فيقول: أين رؤيا سورة الإسراء التي قال الله _جل وعلا فيها_:"وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ" (الاسراء: من الآية60) ؟ والجواب: إن هذه الرؤيا رؤيا عين، وليست رؤية منامية على الصحيح، وكذلك فسرها ابن عباس _رضي الله تعالى عنه_ كما في البخاري.

أما ما ذكره بعض المفسرين من أنها رؤيا في بني أمية فضعيف لا يثبت، بل ربما كان من أكاذيب الرافضة وما أدخلوه في التفسير من أخبار واهيات، أو ممن تأثر بهم وأخذ عنهم.

والناس في موضوع الرؤى بين إفراط وتفريط، فهناك من بالغ في الرؤى فبنى حياته عليها، وأخذ تشريعه منها، وهناك من قصر فيها فلم يلتفت إليها، والحق وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، وما عليه المسلمون المؤمنون من أهل السنة والجماعة هو المنهج الوسط، المنهج الحق، في موضوع الرؤى.

فالرؤى في المنام حق، ثابتة بالكتاب والسنة، يؤيدها النقل والعقل، وتؤمن بها النفوس السوية، ولم ينكر أن الرؤيا الصالحة تكون من الله إلا الفلاسفة ومن نحا نحوهم في هذا العصر من بعض من يشتغلون بعلم النفس، الذين يجعلون الرؤى أضغاث أحلام، فهؤلاء يفسرون الرؤى بنوع من أنواعها، وينكرون الحق فيها. ومثل أولاء ومن أخذ بقولهم لا يلتفت إليهم ؛ لأن الرؤيا الصالحة وأثرها ثابتة بالكتاب والسنة، وقد كان النبي _صلى الله عليه وسلم_ كثيرًا ما يسأل أصحابه من رأى منكم رؤيا؟ وقد توارثته الأجيال قديمًا وحديثًا، فهي ثابتة يؤيدها العقل والنقل في القرآن كما مر وفي السنة التي تكاد أن تصل إلى حد التواتر المعنوي لكثرتها وتنوعها، ومن ذلك حديث أبي هريرة _رضي الله تعالى عنه_ قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_:"إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا المؤمن جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة، والرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحذر من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء نفسه، فإن رأى أحدكم ما يكره، فليقم فليصل، ولا يحدث بها أحدًا"رواه مسلم في صحيحه، وهذا الحديث أصل عظيم في موضوع الرؤيا، إثباتها، وأنواعها، وأقسامها، وكيف نتعامل معها.

وعن عبادة بن الصامت _رضي الله تعالى عنه_ قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_:"رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة". وردت في بعض الأحاديث خمس وأربعين، وفي بعض الأحاديث ست وأربعين جزء من النبوة، بل جاءت الأحاديث بخمسة عشر لفظًا مختلفًا، وقد ذكر أهل العلم تفاسير جامعة مبينة لذلك،فبعضهم حملها على اختلاف الرائي، فبعضهم تكون له خمسة وأربعين جزءًا من النبوة، وبعضهم ست وأربعين، وبعضهم أقل، وبعضهم أكثر، فمن خلصت نيته في عبادة ربه ويقينه وصدق حديثه كانت رؤياه أقرب، ومنهم من قال النبوة يتفاضل فيها الأنبياء وليست مستوى واحد كما قال الله _عز وجل_:"ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض"وفي المسألة أقوال أخرى يرجع إليها في مظانها من كتب أهل العلم.

أما المنهج الشرعي في التعامل مع الرؤى، فيعتمد على الرؤيا، وهي ثلاثة أنواع كما مر في حديث أبي هريرة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت