فهرس الكتاب

الصفحة 7380 من 27345

فإن كانت رؤيا صالحة فلا يحدث بها إلا من يحب، ولذلك أسباب، منها: منع باب التحاسد وما ينتج عنه من تدابر، ولهذا قال يعقوب لابنه _عليهما السلام_:"لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا" (يوسف: من الآية5) ، فلما لاحظ يعقوب من تصرفات بنيه ما استشرف منه عدم رضاهم عن أخيهم أوصاه بذلك، فإذا لم تأمن جانب قريب فلا تقصص رؤياك عليه حتى وإن كان ممن تحب.

ثانيًا: إن كانت الرؤيا من قبيل حديث النفس، ومن علامتها أنها تكون في العادة استمرار لما كان يفكر فيه المرء في يقظته، ومثل هذه فليعرض عنها، وأكثر ما يرى الناس من حديث النفس، يهتم أحدهم بشراء سيارة، فيرى السيارة، يهتم بالزواج فيرى ذلك، يهتم بالامتحان فيرى الأسئلة... وهكذا.

النوع الثالث: أن يرى ما يكره، وهي التي من تهاويل الشيطان، فعلى من رآها أن يعمل بما يلي:

أولًا: يتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان.

ثانيًا: يبصق عن يساره ثلاثًا.

ثالثًا: ينقلب على جنبه الآخر.

رابعًا: يقوم فيتوضأ ثم يصلي ما شاء الله.

خامسًا: لا يحدث بها أحدًا.

ومن لم يتمكن من عمل هذه الخمس، فليعمل بعضها، كأن ينقلب على جنبه، وأن يستعيذ بالله من شرها ومن شر الشيطان، والمهم ألا تحدث بها أحدًا، فإنه يخشى إذا حدثت بها أحدًا أن يكون لها آثار، فقد ورد أن الرؤيا على جناح طائر فإذا عبرت وقعت.

فالأفضل كما بين النبي _صلى الله عليه وسلم_ ألا تحدث بها أحدًا مهما كان، وإذا عملت هذه الأشياء الخمسة فإنها لا تضرك _بإذن الله_.

وكان من روى هذا الحديث، يقول: كنت أرى الرؤيا فتمرضني، أي: تثقل علي، فلما بلغه هذا الحديث وتعامل معها ارتاح وخف عنه ما يجد.

ثم إن من رأى رؤيا أولت له فعليه أن يعلم بأنها قد تصيب وقد تخيب، والجزم بتحقق الرؤيا أو صحة تعبيرها والتعلق به خطأ كبير وخلل وقع فيه بعض الناس.

فبعض الناس يتصور أنه إذا رأى رؤيا ثم عبرت له فوقوعها حق لا مرية فيه! وهذا خطأ للتقسيم السابق، فالرؤيا قد تكون رؤيا صالحة، وقد تكون حديث نفس، وقد تكون من وسواس الشيطان، كما قد ترد احتمالات أخرى حتى على الرؤيا التي ظاهرها الخير، ومنها:

أولًا: قد تكون الرؤيا كذب، وهذا باب خطير ولج فيه وللأسف بعض الناس، فوجب ألا يطمئن لكل رؤيا تذكر.

ثانيًا: احتمال عدم دقة رواية من رآها دون تعمد للكذب فيزيد أو ينقص، والمعبر يعبر حسب ما روي له، وهنا قد يقع الخطأ، وإن كان المعبر حاذقًا.

ثالثًا: قد يكون ما رؤي من حديث النفس أو وسواس الشيطان فاختلط الأمر على الرائي.

رابعًا: قد تكون الرؤيا صالحة، والرائي صادق قد قصها على المعبر بدقة، ولكن المعبر ليس من أهل الحذق في التعبير أو ليس من أهل التعبير؟ فبعضنا يعرض رؤاه على معبر وغير معبر، كما يسأل الناس من هو أهل للفتوى ومن ليس من أهلها.

خامسًا: قد يكون المعبر من المعبرين الحذاق، ولكنه أخطأ في تعبير الرؤيا، فليس كل معبر حاذق يصيب في كل تعبير، والدليل على ذلك أن أبا بكر _رضي الله تعالى عنه_، عندما عبر الرؤيا وسأل النبي _صلى الله عليه وسلم_، قال له النبي _صلى الله عليه وسلم_:"أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا"، فإذا كان أبو بكر _رضي الله عنه_ ومن هو في علمه وفضله ومكانته وتعبيره للرؤى، يقول له النبي _صلى الله عليه وسلم_:"أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا"، فغيره من باب أولى وإن كان من كبار المعبرين، فليس كل ما يقوله المعبر صحيحًا على إطلاقه، فما بالك إن لم يكن المسؤول من أهل التعبير!

سادسًا: قد يعبر المعبر، ويكون تعبيره صحيحًا، ولكن يخطئ في تنزيلها على ما لم تكن فيه، وهذا الأمر وقع فيه بعض الصحابة كما في رؤية الفتح، وذلك لما رأى النبي _صلى الله عليه وسلم_ الرؤيا التي قصها الله _تعالى_ كما في قوله _عز وجل_:"لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين"، فلما ذهبوا إلى الحديبية ورجعوا، قالوا: ألم تقل لنا إننا سندخل البيت؟ فأنزلوها في غير موضعها، فنزل قوله _تعالى_:"لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا" (الفتح:27) ، فقد تنزل الرؤيا وهي حق، وتعبيرها صحيح على غير من عبرت له أو في غير موضعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت